الرئيسيةعربي و عالميالصورة كسلاح سياسي: من التوثيق المحايد...
عربي و عالمي

الصورة كسلاح سياسي: من التوثيق المحايد إلى صناعة الرأي العام

28/06/2026 11:00

يتناول هذا المقال أحد العوامل المسببة للأزمات السياسية، سواء في الزمن الحاضر أو في الماضي، وهو الصورة وكيفية تفسيرها والتداعيات التي قد تنجم عنها. ففي عصرنا الحالي (2026)، لم تعد الصورة مجرد وثيقة بصرية تُلتقط ثم تُحفظ في الأرشيف أو تُعلق على الحائط، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي وتوجيهه وتحريك الرأي العام. تدور حول الصورة التفسيرات والتوقعات، وتُستخدم لتحريك الشارع وإثارة الشعوب متى ما لامست عناصر تثيرهم وتحركهم في إطار سياق معين. كما أصبحت الصور قادرة على إحراج السلطة ووضعها في موقف المدافع والمبرر، وهذا ما حدث تحديدًا مع رئيسة وزراء إيطاليا.

جدل الصورة بين ترامب وميلوني

اتهمت رئيسة الوزراء الإيطالية الرئيس الأمريكي باختلاق رواية عنها، وذلك بشأن الصورة التي جمعتهما. فبعد أن صرح ترامب بأن ميلوني توسلت إليه لالتقاط الصورة، نفت الأخيرة ذلك وسجلت مقطعًا مصورًا انتشر على نطاق واسع. لكن ترامب عاد وكرر ادعاءه وأصر على موقفه. بغض النظر عن صحة الطلب أو مصداقية من يقول أو ينفي في هذه الرواية التي أصبحت حديث الشارع والصحف، لا بد من إدراك أن للصورة دلالتها السياسية والاقتصادية، ولها طريقتها في الرؤية، لأن الصورة لا تنقل الواقع بطريقة محايدة أو بريئة كما يعتقد بعض الجماهير.

جون برجر: الصورة ليست سجلاً آليًا

يرى الكاتب والناقد الإنجليزي جون برجر أن كل صورة تتضمن طريقة في الرؤية، وأن الصورة ليست سجلاً آليًا خالصًا، لأن من يقوم بالتصوير ومن ينشر تلك الصور يختار زاوية معينة ولحظة محددة وموضوعًا من بين احتمالات كثيرة. كما يُغذي رسالته من خلال الإخراج النهائي للصورة. هنا يمكن القول إن العلاقة بين الصورة والأزمة السياسية هي علاقة تعانق: فالصورة قد تكشف الأزمة أو تخلقها، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد صياغتها وتمنحها معنى جماهيريًا مثيرًا، يُسجل في تاريخ الشعوب ويحرك كثيرًا من المواقف السياسية.

الصورة كشهادة تاريخية: من فيتنام إلى تيانانمن

في الأزمات السياسية الكبرى، تتحول الصورة إلى شهادة ووقود ضغط جماهيري قد يكون أخلاقيًا. على سبيل المثال، في التاريخ القديم كانت صورة فتاة النابالم في فيتنام عام 1972، المعروفة إعلاميًا ورسميًا باسم “The Terror of War”، حيث أظهرت أطفالاً ينجون من ويلات الحرب بعد قصف النابالم، ومن بينهم كيم فوك ذات التسع سنوات. وقد وصفتها مؤسسة World Press Photo بأنها من الصور التي بينت الفظائع في حرب فيتنام. لم تكن هذه الصورة مجرد تسجيل للحظة جحيم، بل اختزلت وحشية الحرب في جسد طفلة عارية، وجعلت النقاش السياسي حول الحرب أكثر إنسانية وأقل تجريدًا. لكننا لا نقول إن صورة واحدة أنهت الحرب، ولكنها تؤثر ضمن سياق سياسي وإعلامي واجتماعي أوسع، حيث تُوضع آلة ترويجية لها لخدمة الأجندة، مهما كانت مبرراتها.

كذلك نجد أن للصورة دلالة ووظيفة رمزية، مثل ما حدث لصورة رجل الدبابة في ميدان تيانانمن عام 1989. فبحسب مجلة Time، وقف رجل صيني أعزل أمام صف من الدبابات في بكين عام 1989، بعد قمع الاحتجاجات الطلابية. وتحولت هذه اللقطة إلى رمز عالمي للمقاومة الفردية أمام العنف الرسمي. الصورة لا تشرح التفاصيل ولا مسببات المشكلة، لكنها تحاول اختزال المشهد القابل للانتشار في العلاقة غير المتكافئة بين المواطن والدولة: جسد وحيد أمام آلة عسكرية. وهنا تكمن قوة الصورة السياسية في قدرتها على تحويل حدث معقد إلى رمز قابل للتداول والتذكر.

المساءلة بالصورة: من أبو غريب إلى إبستين

كما تؤدي الصورة وظيفة المساءلة. ففي فضيحة سجن أبو غريب أو صور إبستين في الولايات المتحدة والمنتجع الخاص به، وما زالت الأزمة تطارد بعض الشخصيات، أشعلت تلك الصور موجة انتقادات وإدانة عالمية، وقادت إلى تحقيقات. نقلت هذه الصور الأزمة من مستوى الشكوك والاتهامات إلى مستوى الدليل البصري الصادم والتحقيقات. ولذلك تصبح الصورة في مثل هذه الحالات أداة رقابة، فهي تفضح ما تحاول المؤسسات السياسية أو العسكرية إخفاءه.

خطر التضليل: التزييف العميق وفبركة الصور

لكن قوة الصورة لا تعني أنها بريئة دائمًا. فالصورة قد تُجتزأ من سياقها، أو تُستخدم للدعاية، أو تُفبرك أو تُستخدم بطريقة غير مهنية، كما فعل الرئيس ترامب مع رئيسة الوزراء الإيطالية. وعلى الرغم من أن رئيسة الوزراء الإيطالية تلاحقها مشكلة الصور، خاصة تلك الصور غير الأخلاقية التي تم بناؤها وفبركتها وتوليدها بالذكاء الاصطناعي، مما زاد المخاوف بشكل كبير. فقد أشار تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2024 إلى تزايد أمثلة التزييف العميق والصور المصطنعة في سياقات سياسية وحربية. وإلى أن 59% من المشاركين في دول متعددة عبروا عن قلقهم من التمييز بين الحقيقي والمزيف في الأخبار الرقمية، وأن المعلومات المضللة والمعلومات الزائفة تمثل أكبر المخاطر قصيرة المدى.

هذا يعني أن الصورة في الأزمة السياسية قد تكون أداة كشف، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة تضليل. لذلك فإن أثر الصورة لا يُقاس بلحظة الالتقاط، بل بمسارها ومن يفسرها ومن يوظفها سياسيًا. فالصورة في الأزمات السياسية ليست تحفة إعلامية أو خبرًا متصدرًا، بل هي جزء من بنية الأزمة نفسها. قد تفقد مصداقيتها عندما تُفصل عن الحقيقة أو تُستعمل للتلاعب بالعاطفة وتجييش الجماهير. ولهذا فإن التعامل الواعي مع الصورة يتطلب سؤالين معًا: ماذا تظهر الصورة، وماذا تخفي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *