محليات

الذكاء الاصطناعي يعيد هندسة التعليم الطبي والممارسة السريرية

الذكاء الاصطناعي يعيد هندسة التعليم الطبي والممارسة السريرية

يرى أكاديميون وطلاب أن الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي يغيّر ملامح المهن الطبية، ويضع التعليم والتدريب أمام ضرورة التطوير المستمر، بما يؤهل أجيالاً قادرة على استيعاب التقنيات الجديدة والاستفادة منها، مع الحفاظ على الأسس السريرية والتفكير النقدي والعلاقة الإنسانية مع المريض.

وتشير وجهات نظرهم إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل فرصة لرفع مستوى التشخيص وتحسين أداء الخدمات الصحية، كما تسهم في توفير الوقت والجهد داخل المهام الإدارية والتعليمية، غير أن الاعتماد عليها يستلزم التحقق من دقة نتائجها وعدم إحلالها محل الخبرة الطبية أو الحكم المهني، فالقرار النهائي في العلاج يبقى بيد المختصين.

مهارات أساسية

الأستاذ الدكتور حسام حمدي، مدير جامعة الخليج الطبية، شدد على أن تأهيل الكوادر الصحية للمستقبل يقوم على ترسيخ المهارات الطبية الأساسية إلى جانب تمكين الطلبة من التعامل مع الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تزايد حضوره في المستشفيات والمؤسسات الصحية.

وأضاف أن جوهر التحدي ليس في توفر التقنية، بل في طريقة استخدامها داخل قاعات الدرس وأقسام المستشفيات. فرغم قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول السريع للمعلومات وتحليل بيانات المرضى ودعم التشخيص، يبقى المريض حالة إنسانية فريدة تحتاج إلى حضور الطبيب وخبرته.

وأكد حمدي ضرورة إتقان الطلبة للتفكير المنطقي والنقدي والمهارات السريرية التي تساعدهم على بناء التشخيص واختيار خطة العلاج، بدلاً من الاكتفاء بما تعرضه البرامج التقنية. كما دعا إلى تنمية هذه القدرات مبكراً في مراحل التعليم، ومواصلة تطويرها أثناء التدريب والممارسة.

ولفت إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في توثيق المقابلات الطبية ونقل البيانات إلى السجلات الصحية يقلل الأعباء الإدارية على الأطباء، ويمنحهم مساحة أوسع للتفاعل المباشر مع المرضى وبناء علاقة قائمة على الثقة.

كفاءات متكاملة

من جهته، اعتبر الدكتور شريف خليفة، نائب مدير جامعة دبي الطبية للشؤون الأكاديمية وعميد كلية الصيدلة، أن التقدم السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يفرض مواءمة مهارات خريجي التخصصات الصحية مع احتياجات سوق العمل، عبر دمج المعرفة الطبية بالكفاءة التقنية والمهارات الإنسانية.

وبيّن أن على الطلبة تعلّم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الدراسة والعمل المهني، مع القدرة على تدقيق مخرجاتها والتحقق من صحتها، خاصة في ما يتصل بالتشخيص والعلاج. كما شدد على أن هذه الأدوات ينبغي أن تُستخدم في إطار الخبرة البشرية والحكم المهني.

وأشار خليفة إلى أهمية تطوير مهارات التواصل والتعاطف والمسؤولية المهنية لدى الأطباء والممرضين والصيادلة، إلى جانب إدارة التكاليف الصحية وريادة الأعمال، ما يمكّنهم من فهم متطلبات القطاع وإدارة المشروعات الصحية بفاعلية، مع مراعاة مصلحة المريض وتكلفة العلاج.

التشخيص الطبي

بدوره، قال الدكتور يوسف الطيب، عميد كلية الطب في جامعة دبي الطبية، إن الأشعة التشخيصية وعلم الأمراض من أكثر التخصصات استفادة من الذكاء الاصطناعي، لما تحتويه من صور طبية وشرائح مرضية وبيانات قابلة للتحليل والمقارنة على نطاق واسع.

وأوضح أن الأنظمة الذكية قادرة على مطابقة الحالات الجديدة مع السجلات السابقة ورصد الأنماط، ما يدعم الأطباء في التشخيص واتخاذ القرار، لكنه أكد أن ذلك لا يغني عن المختص، إذ يبقى القرار الطبي النهائي من مسؤولية الطبيب بعد مراجعة النتائج والتحقق منها.

وأضاف أن الرعاية الصحية تمتد إلى ما بعد التشخيص والعلاج، لتشمل الإنصات للمريض وفهم احتياجاته والاهتمام به، وهي عناصر تجعل التواصل الإنساني ركيزة أساسية في العلاقة العلاجية، مهما بلغ تطور التقنيات.

التعليم والتدريب

من جانبها، قالت الطالبة لين عمار، من طلبة السنة الأولى في جامعة دبي الطبية، إن الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت ويسهّل الوصول إلى المعلومات، لكن نتائجه ليست دقيقة في كل الأحوال، ما يستوجب مراجعتها وعدم الاعتماد عليها كلياً في الدراسة. وأكدت أن التعاطف مع المرضى وفهم مشاعرهم يبقيان من ركائز مهنة الطب.

أما الطالبة شيخة راشد الحبسي، من طلبة السنة الأولى في الجامعة، فأوضحت أن التقنيات الحديثة حسّنت تجربتها التعليمية عبر الأدوات والمنصات التي توفرها الجامعة، إضافة إلى استخدامها في المختبرات والتدريب بالمحاكاة. وأشارت إلى أن هذه الوسائل تمكّن الطلبة من اكتساب المهارات التطبيقية والاستعداد للعمل في القطاع الصحي، خصوصاً في مجال التمريض.

وذكرت الطالبة المتخرجة ذكية محمد أنها تلجأ إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد أسئلة اختيار من متعدد والتدرب على الاختبارات، ما يساعدها على مراجعة المقررات وتحديد الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من الاستيعاب. وأضافت أن الإجابة عن الأسئلة المولّدة تكشف لها مواضع الضعف في فهم المحتوى، وتوجهها نحو الدروس التي ينبغي إعادتها، مشيرة إلى أن التطورات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأجهزة والتقنيات الصحية تفتح مجالاً واسعاً لتحسين الممارسات المهنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *