تحقيق «البيان»: فجوات بالملايين في مطالبات مقاولي «بيت العمر» لزيادة أسعار البناء

تتكرر في أحلام المواطنين صفحة واحدة عبر الأجيال: قطعة أرض تمنحها الدولة، وقرض سكني يؤمن مستقبل الأسرة، ومخطط منزل يتحول إلى واقع. فالمنزل في الوجدان ليس مجرد جدران وإسمنت، بل هو «بيت العمر»، وعد للأبناء، وسقف يجمع الأسرة، وثمرة رؤية وطنية جعلت السكن الكريم ركيزة للاستقرار الاجتماعي، فأتاحت الأرض، ودعمت بقرض البناء، ومهدت الطريق لتأسيس بيت يظل شاهداً على سنوات الكفاح والأمل.
غير أن انتهاء رحلة الحصول على الأرض والقرض يطلق رحلة أكثر تعقيداً داخل سوق البناء. فبين المالك والمقاول والاستشاري، يجد المواطن نفسه أمام تفاصيل هندسية معقدة، وعقود فنية، وجداول كميات، ومصطلحات لا يمتلك الخبرة الكافية لتفسيرها، بينما يمضي في مشروع قد يكون الأكبر والأهم في حياته، معتمداً على الثقة في التزام جميع الأطراف بحقوقه وبالعقد الموقع.
لكن هذه الثقة تعرضت للاهتزاز لدى عدد من ملاك الفلل السكنية خلال الأشهر الماضية، بعد تلقيهم مطالبات مالية إضافية من مقاولين طالبوا بزيادات على قيمة العقود، مبررين ذلك بارتفاع أسعار مواد البناء. وبين من دفع خوفاً من توقف مشروعه، ومن رفض فدخل في نزاعات وتأخير، وجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام أعباء مالية لم تكن ضمن حساباتهم عند بدء رحلة بناء بيت العمر.
أرقام لا تكذب: 6000 رسالة تكشف المبالغات
فتحت «البيان» ملف «بيت العمر» بعد استطلاع آراء أطراف الأزمة: المالك والمقاول والمورد والاستشاري، وسؤال الجهات المعنية مثل بلدية دبي ومركز تسوية المنازعات العقارية في دبي، إلى جانب أخذ رأي قانونيين. كما استند الملف إلى دراسة أجرتها منصة «بيلد إن»، التي تُعد أول ممثل رقمي للمالك، من خلال مراجعة 51 مشروعاً شهدت مطالبات بزيادة الأسعار، ومقارنة تلك المطالبات بالكلفة الفعلية للمواد وفق مراحل التنفيذ.
البداية كانت من خلال 6000 رسالة وصلت إلى منصة «بيلد إن» خلال خمسة أشهر، ولم تكن مجرد استفسارات عن أسعار الحديد أو الإسمنت أو الخرسانة، بل صرخات متكررة من مواطنين وجدوا أنفسهم أمام مطالبات مالية إضافية بعد أشهر من توقيع عقود بناء منازلهم. بعضهم كان في مرحلة الأساسات، وآخرون وصلوا إلى التشطيبات. لكن القاسم المشترك كان سؤالاً واحداً: هل ما يطالب به المقاول يعكس فعلاً الزيادة التي طرأت على أسعار المواد، أم أن الأزمة تحولت لدى البعض إلى فرصة لإعادة تسعير المشروع؟
دفع هذا السؤال «بيلد إن» إلى الانتقال من استقبال الشكاوى إلى مراجعة الأرقام. فجمعت ملفات 51 مشروعاً سكنياً، وأعادت احتساب مطالبات المقاولين بنداً بنداً، مستندة إلى فواتير الشراء الموثقة، وتاريخ تنفيذ الأعمال، والكميات المنفذة فعلياً عند حدوث الزيادة. آثرت «البيان» عرض النتائج كدراسات حالة مع حجب أسماء الملاك والمقاولين، لأن الهدف ليس توجيه الاتهام إلى طرف بعينه، وإنما كشف نمط متكرر يثير تساؤلات حول آلية احتساب مطالبات زيادة الأسعار في مشاريع المساكن.
فجوات مالية تتجاوز 500% في بعض البنود
لم تنظر الدراسة إلى المشروع كرقم واحد، بل فككته إلى عشرة بنود إنشائية رئيسة: الخرسانات، والطابوق، والعازل، والتشطيبات، والنجارة، والألمنيوم، والكهرباء، والتكييف، والأعمال الصحية، والأعمال الخارجية. لكل بند جرى احتساب ثلاثة مؤشرات: الزيادة الفعلية في الكلفة وفق فواتير الشراء، وقيمة المطالبة التي تقدم بها المقاول، ثم الفارق بين الرقمين. وعند تجميع النتائج، اتضح أن المبالغات لم تكن محصورة في مادة بعينها، بل امتدت إلى معظم البنود الرئيسة للمشروع وإن تفاوتت قيمتها.
تكشف البيانات أن الخرسانة كانت أكثر البنود تسجيلاً للفجوات المالية، إذ بلغت الزيادة الفعلية فيها نحو 1.75 مليون درهم، في حين تجاوزت مطالبات المقاولين 2.39 مليون درهم، بفارق يزيد على 652 ألف درهم. وجاءت التشطيبات في المرتبة الثانية، إذ ارتفعت كلفتها الفعلية بنحو 1.34 مليون درهم، بينما تجاوزت المطالبات 1.91 مليون درهم، بفجوة قاربت 577 ألف درهم. أما الطابوق فسجل فجوة تجاوزت 331 ألف درهم، تلاه الكهرباء بأكثر من 320 ألف درهم، ثم الأعمال الصحية بفارق ناهز 194 ألف درهم، فيما اقتربت الفجوات في التكييف والألمنيوم والأعمال الخارجية من 140 ألف درهم لكل بند.
على مستوى المشاريع، كشفت الدراسة أن أكبر الفجوات المالية لم تظهر بالضرورة في أعلى نسب المبالغة، وإنما في أكبر المشاريع قيمة. ففي فيلتين كبيرتي المساحة، بلغت الزيادة الفعلية الموثقة 1.61 مليون درهم و1.07 مليون درهم على التوالي، بينما ارتفعت مطالبات المقاولين إلى 1.85 مليون درهم و1.31 مليون درهم، بفارق تجاوز 237 ألف درهم في الحالة الأولى و235 ألف درهم في الثانية. بالنسبة للمواطن، قد تبدو نسبة تتراوح بين 15 و22% محدودة على الورق، لكنها تتحول إلى عبء مالي يتجاوز ربع مليون درهم، مما قد يغير خطة الأسرة المالية بالكامل أو يفرض عليها اقتراضاً إضافياً.
غير أن أكثر الملفات إثارة لم يكن ضمن عينة المشاريع الواحد والخمسين، بل في مشروع سكني تبلغ قيمته نحو 17 مليون درهم. في هذه الحالة، طالب المقاول بأكثر من 3 ملايين درهم بدعوى ارتفاع أسعار مواد البناء، لكن المراجعة الهندسية والمالية التي أجرتها المنصة انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً: الفيلا كانت منجزة بنسبة 58% شاملة أعمال الخرسانة والطابوق بشكل كامل، ليتبين أن المقاول لم يكن دائناً بهذا المبلغ، بل أصبح مديناً للمالك بما يزيد على مليون درهم بعد إعادة احتساب الأعمال المنفذة والدفعات المستلمة والكلفة الفعلية للمشروع.
في المقابل، كشفت الدراسة أن صغر قيمة المشروع لم يعني بالضرورة أن المطالبة أكثر دقة. فقد سجلت بعض المشاريع الصغيرة فجوات مالية تراوحت بين 5.5 آلاف و12 ألف درهم، لكن نسب المبالغة تراوحت بين 23 و42%، ما يعني أن المقاول طالب بما يقارب من ربع إلى نصف قيمة الزيادة الحقيقية فوق استحقاقه. وعند الانتقال إلى نسب المبالغة، وثقت الدراسة مشروعاً بلغت فيه الزيادة الفعلية نحو 87 ألف درهم، بينما طالب المقاول بما يقارب 187 ألف درهم، بنسبة تجاوزت 114%. وفي مشروع آخر، سجلت المطالبة نسبة مبالغة قاربت 113%.
المفاجأة الأكبر ظهرت على مستوى البند الواحد. ففي أحد بنود الطابوق، بلغت الزيادة الفعلية 9128 درهماً، بينما ارتفعت المطالبة إلى 60494 درهماً، بنسبة قاربت 563%. وفي بند الأعمال الصحية، بلغت الزيادة الفعلية نحو ألف درهم، لكن المقاول طالب بما يقارب 18 ألف درهم، بنسبة تجاوزت 1700%. كما سجلت الدراسة حالات في الأعمال الكهربائية تحولت فيها فروقات لا تتجاوز ألف درهم إلى مطالبات قاربت 15 ألف درهم. ترى المنصة أن مثل هذه الحالات يصعب تفسيرها بهوامش احترازية أو فروق تقديرية، لأنها تتجاوز بشكل كبير أي اختلافات محاسبية معتادة.
تشير مراجعة الملفات إلى أن جانباً من هذه الفروقات لم يكن ناتجاً عن ارتفاع الأسعار بذاته، وإنما عن طريقة احتسابها. في عدد من المشاريع، احتسبت الزيادة على كامل البند رغم أن جزءاً كبيراً من الأعمال كان قد أُنجز قبل موجة الارتفاع. وفي حالات أخرى، احتسبت المطالبات وفق أعلى سعر وصلت إليه المادة في السوق، بينما أظهرت تواريخ التنفيذ أن جزءاً من الكميات نُفذ عندما كانت الأسعار أقل بكثير. كما رصدت الدراسة مطالبات لم تكن مدعومة بفواتير شراء تثبت السعر والكمية وتاريخ التوريد، وإنما استندت إلى تقديرات عامة، وهو ما وسع مساحة الخلاف.
تؤكد المنصة أن المراجعة الفنية كانت كفيلة في عدد من الحالات بإعادة المطالبات إلى حجمها الحقيقي. ففي إحدى القضايا، انخفضت مطالبة تجاوزت 400 ألف درهم إلى 120 ألف درهم بعد التدقيق في المستندات، بينما تقلصت مطالبة أخرى من 270 ألف درهم إلى 80 ألف درهم، قبل أن يوافق المقاول على الرقم المعدل. في المقابل، وثقت الدراسة عدداً من المشاريع التي جاءت فيها مطالبات المقاولين متوافقة إلى حد كبير مع الزيادة الفعلية، إذ لم تتجاوز الفروقات في بعض بنود الكهرباء والتكييف والألمنيوم نسبة 5 إلى 6%، وهو هامش يمكن تفسيره باختلافات حسابية بسيطة أو فروق في توقيت الشراء.
عند النظر إلى الصورة الكاملة، تكشف الدراسة أن متوسط المبالغة بلغ 47%، فيما تجاوزت الفجوة المالية التراكمية 2.5 مليون درهم على مستوى المشروعات محل الدراسة وحدها. وربما كانت الملاحظة الأكثر دلالة أن الدراسة لم توثق مشروعاً واحداً خلت جميع بنوده من أي فروقات، وإن تفاوتت نسبها وقيمها.
أطراف الأزمة: الاستشاريون والمقاولون والموردون
تكتسب دراسة أطراف أزمة ارتفاع أسعار مواد البناء أهمية خاصة، لأنها تسهم في فهم الأدوار المتبادلة بين الموردين وشركات البناء والمطورين العقاريين والجهات الرقابية والمستهلكين، إضافة إلى تأثير العوامل الخارجية المرتبطة بالأوضاع الإقليمية والدولية. وتنحصر المشكلة في ثلاثة أطراف رئيسية: الاستشاريون، والمقاولون، والموردون.
كشفت «بيلد إن» أن أسعار مواد البناء كانت مستقرة إلى حد كبير لمدة تصل إلى 6 أشهر، والارتفاع الذي حدث بعد ذلك كان طفيفاً وطبيعياً بحسب حركة السوق، إلا أن ما حدث أواخر العام الماضي كان مغايراً. شهد السوق موجتي ارتفاع أسعار متتاليتين، وليس موجة واحدة. الموجة الأولى، الممتدة من أواخر العام الماضي إلى بداية هذا العام، كانت نتيجة اختلال طبيعي بحت بين العرض والطلب، إذ انفتحت في الدولة مشاريع استثمارية وحكومية وخاصة ضخمة في وقت واحد تقريباً، فارتفع الطلب على الحديد والخرسانة والطابوق والإسمنت، وهي مواد تصنع محلياً، إلى درجة لم تستطع المصانع القائمة تلبيتها، فارتفعت الأسعار بشكل حاد. بعدها بشهر واحد تقريباً، جاءت الموجة الثانية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية، والتي أثرت بشكل مباشر في تكلفة الديزل والشحن، وبالتالي في أسعار المواد المستوردة من الخارج.
المشكلة أن الموجتين تعاقبتا في فترة زمنية قصيرة جداً لا تتجاوز ستة أشهر، ما جعل من السهل على كثير من المقاولين دمج السببين في رواية واحدة مبسطة: «الحرب رفعت الأسعار». وهذه الرواية، وإن كانت تحمل جزءاً من الحقيقة، استخدمت لتغطية الجزء الأكبر من الزيادة الذي لم يكن له علاقة بالتوترات الإقليمية أصلاً. والنتيجة أن المالك، الذي سمع في الأخبار عن توترات إقليمية، أصبح أكثر استعداداً لتصديق أي مطالبة مالية تنسب إليها.
حين يسأل المقاولون عن مبررات مطالباتهم بفروق الأسعار، تدور الإجابة الأكثر شيوعاً حول فكرة بسيطة: لا يستطيع مقاول الاستمرار في تنفيذ مشروع إذا تحولت أرباحه المتوقعة إلى خسارة مؤكدة بسبب ارتفاع مفاجئ في كلفة المواد والوقود والنقل. فشركات المقاولات تتوقع، في الغالب، عقوداً بقيمة ثابتة لا تتغير منذ بدء المشروع وحتى تسليمه، بينما تظل أسعار الحديد والإسمنت والخرسانة والأخشاب والوقود والشحن قابلة للتغير طوال فترة التنفيذ. وعندما ترتفع هذه التكاليف، يجد المقاول نفسه أمام معادلة تجارية صعبة؛ إما أن يتفاهم مع المالك على تحمل جزء من الزيادة، أو يستمر وحده في امتصاصها، أو يصل المشروع إلى مرحلة التوقف والنزاع. وفي بعض الحالات، يتحول هذا الواقع إلى ضغط ضمني على المالك: إما أن يقبل دفع فرق الأسعار، أو يواجه احتمال انسحاب المقاول والبحث عن بديل سيسعر الأعمال المتبقية وفق أسعار السوق الجديدة، فضلاً عن كلفة التأخير وإعادة تشغيل الموقع. وهكذا قد يدفع المالك الزيادة في الحالتين، لكن بشروط أكثر صعوبة إذا توقف المشروع وانتقل إلى مقاول آخر.
حول هذا الأمر، يقول عبدالعزيز محمد الشعفار، عضو مجلس الإدارة والشريك في «إينوفو»، العاملة في المقاولات المدنية.



