الرئيسيةمحلياتيسار جرار: فلسفة محمد بن راشد...
محليات

يسار جرار: فلسفة محمد بن راشد القيادية تقوم على أربع سمات جوهرية تركز على الطموح والسرعة والنتائج والمرونة

17/08/2026 07:00

أكد الدكتور يسار جرار، عضو مجلس أمناء كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية ومؤلف كتاب «الشيخ التنفيذي: دروس في القيادة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم»، أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يمثل قائداً يصنع المستقبل ولا ينتظر حدوثه. وأشار جرار في مقابلة مع صحيفة «البيان» إلى أن فلسفة سموه القيادية تتضمن أربع سمات رئيسية، وهي: رفع سقف الطموح، والسرعة في العمل، وثقافة النتائج، فضلاً عن المرونة والشجاعة في التغيير.

وقال جرار: «من بين أهم الدروس المستفادة من مدرسة سموه القيادية أن المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد إدارة داخل الحكومة، بل عقلية تقود الحكومة بأكملها». وأضاف أن أبرز ما استخلصه من تأليفه لكتاب «الشيخ التنفيذي» هو أن السر الكامن وراء هذه المدرسة يتمثل في أن كل إنجاز يطرح تساؤلاً جديداً: ما التالي؟ وهذه العقلية هي التي صنعت الفارق: استشراف المستقبل قبل الآخرين، والشجاعة للمضي قدماً نحوه، وبناء قادة قادرين على مواصلة المسيرة.

فلسفة قيادية تقوم على ثماني ركائز

عند سؤاله عن الركائز الأساسية لفلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في القيادة، أوضح جرار أن المفتاح الأول لفهم هذه المدرسة هو أننا أمام قائد تنفيذي حقيقي، مشيراً إلى أن عنوان كتابه «الشيخ التنفيذي» ينبع من تجربته في المكتب التنفيذي لسموه ومن مقابلات أجراها مع عدد من أعضاء فريقه. وأضاف أن السؤال الذي شغله خلال سنوات عمله وتدريسه واستشاراته في دول مختلفة كان: كيف تمكنت دبي من تحقيق كل هذا في فترة زمنية قصيرة نسبياً؟ وتوصل إلى أن جزءاً كبيراً من الإجابة لا يتعلق فقط بأسلوب القيادة والإدارة والتنفيذ، بل بفهم القائد الذي تصور دبي وقاد مسيرتها.

ولخص جرار فلسفة سموه القيادية في ثماني ركائز مترابطة: رؤية كبيرة وواضحة، طموح لا يقبل بالمركز الثاني، سرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ، تركيز شديد على النتائج، جرأة محسوبة في المخاطرة، إيمان بالإنسان والمواهب، انفتاح دائم على الأفكار الجديدة، وعدم القبول بأن النجاح الحالي يضمن النجاح في المستقبل. وأكد أن ما يميز هذه المدرسة هو الجمع بين الرؤية والتنفيذ، فالرؤية ليست وثيقة محفوظة على الرفوف، بل التزام يومي يتحول إلى إنجازات. وتناول الكتاب فصولاً لمبادئ مثل: «لا تقبل إلا بالرقم واحد»، «اصنع مستقبلك»، «تصرف بسرعة»، «باشر بالمجازفة»، «الإنجاز يتفوق على كل شيء»، و«خذ بالنتائج وليس بالتقارير».

وذكر جرار أن أحد أهم الدروس التي تعلمها شخصياً من هذه المدرسة هو أن القائد لا ينتظر المستقبل، بل يصنعه، وإذا واجه إخفاقاً يتعلم منه ويتقدم، وإذا احتاج إلى التغيير يطبقه بسرعة مع الحفاظ على وضوح الهدف. وأشار إلى أن معادلة سموه القيادية يمكن اختصارها في خمس كلمات: رؤية، جرأة، سرعة، إنسان، إنجاز، فإذا غاب عنصر منها لا تكتمل المعادلة.

صناعة القادة.. الاستثمار الأكثر استدامة

وحول تأكيد سموه الدائم على أن «صناعة القادة» أهم من صناعة المؤسسات، قال جرار إن هذه إحدى أعمق أفكار مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فالمؤسسات والاستراتيجيات والأنظمة والتكنولوجيا كلها تتغير مع الزمن، بينما يبقى الاستثمار في الإنسان الأصل الأكثر قيمة واستدامة. وتناول هذه الفكرة في فصل بعنوان «طوّق نفسك بالقادة الأقوياء» في الكتاب.

وسرد جرار قصة لافتة عن مجموعة من موظفي الحكومة زاروا سموه، وعندما قدموا باعتبارهم «موظفين»، أعاد تعريفهم بأنهم قادة ومصدر للأفكار الجديدة. وأوضح أن هذه ليست مجرد مسألة لغوية، بل فلسفة إدارية تمنح الإنسان مسؤولية وطموحاً أوسع. وتحدث في الكتاب عن توجه سموه لبناء «موهبة المستقبل» ونظام للتعاقب القيادي في دبي، حيث قاموا بدراسة نماذج عالمية في إعداد القادة، من تجربة سنغافورة إلى القطاع الخاص ومراكز القيادة العالمية. ومن هذه الرحلة ولد «برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة» في عام 2003، والذي تخرج منه لاحقاً عدد من الوزراء وكبار القيادات. لكن الأهم من البرنامج هو الفلسفة التي تقف خلفه: لا يقتصر السؤال على من يقود اليوم، بل يمتد إلى من سيقود غداً ومن بعده.

وشدد جرار على أهمية إعداد الصفين الثاني والثالث من القيادات، لأن المؤسسة تضمن استمراريتها حين تمتلك طبقات من القادة القادرين على التفكير واتخاذ القرار. وقال: «الاختبار الحقيقي للقائد لا يقتصر على ما أنجزه، بل على عدد القادة الذين صنعهم، فالقائد الناجح يصنع أتباعاً، أما القائد العظيم فيصنع قادة».

معايير اختيار الفريق القيادي الناجح

وأكد جرار أن جودة القرارات التي يتخذها أي قائد مرتبطة إلى حد كبير بجودة الأشخاص المحيطين به. وأشار إلى أحد الدروس المستفادة من الإرث القيادي الذي تعلمه سموه من والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وهو أن هناك دائماً المزيد لتتعلمه، وأن تحيط نفسك بقادة أقوياء. وهنا توجد نقطة دقيقة: بعض القادة يخافون من الأشخاص الأقوياء حولهم ويفضلون من يوافقونهم دائماً ولا يناقشونهم أو يتحدون أفكارهم. ورأى جرار أن هذا قد يكون مريحاً للقائد لكنه خطير جداً على المؤسسة.

وأوضح أن درس «الشيخ التنفيذي» معاكس تماماً: لا تحط نفسك بنسخ منك، فالفريق العظيم يحتاج إلى الجدارة والتنوع والاختلاف في الخبرات وطرق التفكير، ويجب تجنب ما يسمى بـ«التفكير الجماعي»، أي أن يتحول المحيطون بالقائد إلى مجموعة تقول له دائماً ما يحب سماعه. وأضاف أن الفريق القيادي في مدرسة سموه يقوم على معايير: الكفاءة، والجرأة، والولاء للرؤية لا للأشخاص، والقدرة على الإنجاز، والقدرة على صناعة قادة آخرين. كما أضاف عنصراً مهماً آخر هو التنافس الإيجابي، مشيراً إلى مفهوم «ثلاثة أحصنة في السباق»، أي خلق قدر من المنافسة بين الفرق والأفكار لدفع الجميع لتقديم أفضل ما لديهم، لكن الهدف ليس صناعة رابح وخاسر، بل الوصول إلى أفضل فكرة وأفضل نتيجة، وغالباً ما تكون النتيجة مزيجاً من أفضل ما قدمته الفرق المختلفة.

السمات الجوهرية للمدرسة القيادية

وأكد جرار أن مدرسة سموه لا تعرف الجمود، والنجاح ليس محطة وصول، بل منصة انطلاق إلى نجاح أكبر، وإحدى الأفكار المتكررة في «الشيخ التنفيذي» هي أن العمل لا يكتمل أبداً. وحدد أربع سمات جوهرية في هذه المدرسة: الأولى «رفع سقف الطموح»: الهدف ليس التحسن التدريجي فقط، بل محاولة الوصول إلى الرقم واحد، فعندما يكون الهدف متوسطاً تكون الحلول متوسطة، أما عندما تضع هدفاً يبدو مستحيلاً في البداية فإنك تجبر المؤسسة على إعادة التفكير في إمكاناتها. الثانية «السرعة»: فالعالم لا يكافئ فقط صاحب الفكرة الأفضل، بل يكافئ في أحيان كثيرة من يتحرك أولاً، وأورد فكرة أن إنجاز الشيء بكفاءة 70% اليوم قد يكون أفضل من انتظار 80% غداً أو 100% بعد فوات الفرصة، والمقصود ليس التضحية بالجودة وإنما عدم الوقوع في شلل الكمال. الثالثة «ثقافة النتائج»: ولهذا استخدم عنواناً واضحاً «خذ بالنتائج وليس بالتقارير»، فالحكومة لا توجد لإنتاج التقارير والاجتماعات والعروض التقديمية، بل لإنتاج أثر في حياة الناس. الرابعة «المرونة والشجاعة في التغيير»: فالقائد في هذه المدرسة لا يقع في حب قراره السابق، إذا تغير العالم يجب أن تتغير معه الأدوات والسياسات والمؤسسات.

وخلص جرار إلى أن المرونة والبراغماتية ستكونان من أهم قدرات القيادة في عالم سريع التغيير، فالبقاء ليس دائماً للأكبر، بل لمن يستطيع التكيف بصورة أسرع. وهذه الخلطة من الطموح والسرعة والنتائج والمرونة هي التي صنعت حكومة تتعامل مع التغيير باعتباره الوضع الطبيعي وليس حالة طارئة.

التمكين والثقة وتفويض الصلاحيات

وحول كيفية ترسيخ ثقافة التمكين والثقة وتفويض الصلاحيات، قال جرار إن التمكين الحقيقي ليس خطاباً تحفيزياً، بل إعطاء الإنسان الثقة والصلاحية والمسؤولية ثم محاسبته على النتيجة. وإحدى الخلاصات المباشرة في الكتاب هي: «التفويض، التفويض، التفويض». ولكي يستطيع القائد فعل ذلك، يجب أن يحيط نفسه بأشخاص متميزين يثق بهم ويمتلكون القدرات اللازمة، ثم يترك لهم مساحة إنجاز العمل. وهناك معادلة مهمة: لا تفويض بلا ثقة، ولا ثقة بلا كفاءة، ولا تمكين بلا مساءلة، وهذه العناصر الثلاثة لا ينبغي فصلها.

وأوضح أن أحد أكبر أخطاء الإدارة التقليدية هو أن القائد يفوض المهمة لكنه يحتفظ فعلياً بكل القرار، فينتظر الجميع موافقته وتتحول المؤسسة إلى عنق زجاجة كبير. وهذا النموذج قد يعمل في مؤسسة صغيرة وفي عالم بطيء، لكنه لا يصلح لإدارة حكومة أو مدينة في القرن الحادي والعشرين. ولهذا فإن بناء الصفين الثاني والثالث ليس مجرد خطة تعاقب وظيفي، إنه هندسة لسرعة المؤسسة. المؤسسات الهرمية التي تصعد فيها كل المعلومات إلى أعلى قبل اتخاذ القرار قد تصل إلى الشلل عند الأزمات، بينما وجود قيادات متمكنة في مستويات مختلفة يسمح باتخاذ قرارات أسرع وأكثر ملاءمة. والأهم أن القائد عندما يفوض لا يخسر السلطة، بل يضاعف قدرته على الإنجاز، فإذا كان لديك عشرة قادة حقيقيين حولك، فأنت لا تقود بعقل واحد، بل بعشرة عقول، وإذا كان كل واحد منهم يصنع قادة آخرين، تصبح لديك منظومة قيادية مستدامة.

دروس في استشراف المستقبل وإدارة التغيير

وفي ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، رأى جرار أن أهم درس هو أن المستقبل لا ينبغي أن يكون إدارة داخل الحكومة، بل عقلية داخل الحكومة. فالخطأ الذي تقع فيه بعض المؤسسات هو أنها تنشئ إدارة للمستقبل ثم تستمر بقية المؤسسة في العمل بعقلية الماضي. ومدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مختلفة، فالتفكير بالمستقبل يدخل في الاقتصاد والمواهب والتكنولوجيا والخدمات والبنية التحتية والتعليم وحتى تصميم الحكومة نفسها. وفي الكتاب عبارة تختصر الفكرة: «واكب التغيير أو سيتم تغييرك». والأهم أن التغيير عند سموه ليس ردة فعل، بل التغيير إلى الأمام، فلا ينتظر حتى يفرض الواقع التغيير.

والدرس الثاني هو صناعة المستقبل بدلاً من التنبؤ به، فلا يكفي أن نسأل: ماذا سيحدث؟ بل السؤال القيادي الأقوى هو: ماذا نريد أن يحدث، وما الذي يجب أن نفعله اليوم لصناعته؟ أما الدرس الثالث فهو الاستثمار قبل ظهور الحاجة، وهذه فكرة متكررة في تاريخ دبي: بناء القدرة التي سيحتاج إليها الاقتصاد غداً، وليس فقط معالجة احتياجات اليوم. والدرس الرابع هو المخاطرة المدروسة، فلا يوجد ابتكار بلا احتمال للفشل، والكتاب يوضح أن الفشل في هذه المدرسة ليس نهاية الطريق، بل يمكن التعامل معه كجزء من عملية التطوير وفرصة للتعلم، مع إيجاد مساحة تسمح للفرق بتجريب الأفكار دون أن يتحول الخوف من الخطأ إلى عدو للابتكار. والدرس الخامس: عدم الوقوع في أسر النجاح السابق، فأخطر لحظة على المؤسسة ليست دائماً لحظة الفشل، بل أحياناً تكون لحظة النجاح، لأن النجاح يولد الرضا، والرضا يولد الجمود، والجمود في عالم سريع التغيير هو بداية التراجع. ولهذا يجب أن يسأل القائد باستمرار: ما الذي يجب أن نغيره اليوم ونحن ناجحون، قبل أن يضطرنا العالم إلى تغييره غداً؟

وصايا قيادية للأجيال القادمة

وحول الإرث القيادي في مدرسة سموه للأجيال القادمة، قال جرار إن إرث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أكبر من مجموعة مشاريع أو مؤسسات، لأن المشروع الأكبر هو الإنسان والعقلية التي صنعت تلك المشاريع. وهذا أحد الأسباب التي دفعته إلى كتابة «الشيخ التنفيذي»، فالكتاب لم يكن محاولة لكتابة قصة دبي، بل محاولة لاستخلاص دروس قابلة للتعلم من طريقة القيادة والإدارة.

ووضع جرار ما أسماه «وصايا قيادية» مستخلصة من المدرسة: ارفع سقف الطموح، اصنع مستقبلك ولا تنتظره، تصرف بسرعة، ركز على النتائج، لا تخف من المخاطرة المدروسة، تعلم من الفشل ولكن لا تكرر الخطأ، أحط نفسك بأشخاص أقوى منك في مجالاتهم، اصنع قادة لا أتباعاً، فوّض وثق ثم حاسب، استمع أكثر مما تتحدث، أبقِ بابك وعقلك مفتوحين، ولا تعتقد أبداً أن عملك قد اكتمل. وأشار إلى أن إحدى ركائز فلسفة سموه هي التنمية المستدامة والنظر إلى المستقبل من منظور الأجيال، بحيث لا يترك مستقبل الأجيال القادمة رهينة للتقلبات الاقتصادية والسياسية، بل يتم الاستثمار وبناء الأصول من أجلهم.

الابتكار ثقافة يومية وليس نشاطاً سنوياً

وفي معرض رده على سؤال حول كيفية تحويل مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «الابتكار أو الاندثار» إلى ثقافة يومية تُترجم إلى قرارات وممارسات ونتائج ملموسة، قال جرار إن الابتكار من أكثر الكلمات استخداماً وأقلها تطبيقاً في المؤسسات، ولهذا خصص في «الشيخ التنفيذي» جزءاً أساسياً لهذه الفكرة. وفي تجربة سموه، الابتكار ليس فعالية سنوية أو جلسة عصف ذهني، بل منظومة إدارية. ويستخلص الكتاب درسين مباشرين: الاستماع والانفتاح على أفكار الجميع والاستعداد للتغيير، وخلق ثقافة تمنح الناس الثقة للتفكير والابتكار.

ولتحويل الابتكار إلى ممارسة يومية، نحتاج إلى العمل على 3 مستويات. على مستوى الفرد، يجب أن يصبح التعلم عادة مستمرة، وأن يسأل كل شخص نفسه: ماذا تعلمت اليوم؟ وكيف أؤدي عملي بشكل أفضل غداً؟ كما ينبغي للقائد أن يتقبل النقد ويبحث عن فرص التطوير. وعلى مستوى المؤسسة، لا بد من توفير مساحة آمنة للأفكار والتجربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *