صيادون يطالبون بإعادة تنظيم مهنة الدلالة لاستعادة التوازن في سوق الأسماك

كان صِيادُ السمك يعتمد في السابق على شخص يُعرف بالدلال لإعلان الأسعار وتسهيل التبادل بين البائع والمشتري، إذ كان هذا الوسطاء يملكون خبرة عميقة بالصيد وتكاليفه، ما سمح لهم بتقدير قيمة الصيد بدقة قبل بدء المزايدة.
دور الدلال التقليدي وتغيّر المشهد
كان الدلال يُنظر إليه كعنصر أساسي في توازن السوق، حيث يجمع بين معرفة تكاليف الرحلة وحجم العرض والطلب ليُحدد سعراً يُرضي الطرفين. لكن مع تراجع عدد المواطنين العاملين في هذا المجال، باتت المهنة تُمارس من قبل جنسيات مختلفة، وظهر أن بعض الممارسين يشترون الأسماك من الصيادين بأسعار منخفضة ثم يعيدون عرضها بمزادات أعلى سعراً، مما يوسع الفجوة بين ما يحصل عليه الصياد وما يدفعه المستهلك.
هذا الوضع دفع مجموعة من الصيادين في دبي إلى المطالبة بإعادة تنظيم مهنة الدلالة، معتبرين أن عودة المواطنين إلى ساحات المزاد ستستعيد جزءاً من الإنصاف وتضمن حصول الصياد على مقابل عادل لجهدهم وتكاليفهم.
مطالب الصيادين لإعادة تنظيم المهنة
وأوضح نائب رئيس جمعية الصيادين في دبي، جمال المري، أن العلاقة التاريخية بين الدلال والصياد كانت تقوم على معرفة متبادلة بكلفة القارب والوقود والعمالة ومخاطر البحر، ما سمح للدلال بتحديد سعر يعكس الواقع الحقيقي للصيد.
وأضاف المري أن غياب المواطنين عن المهنة أدى إلى ظهور نظام يسعى لتعظيم الربح من خلال خفض سعر الشراء من الصياد ورفع سعر البيع للمستهلك، ما يهدد استدامة مهنة الصيد ويضعف حافز الاستمرار فيها.
من جهته، وصف النوخذة محمد السويدي حالات يبيع فيها الصياد الكيلوغرام من أحد الأنواع بنحو خمسة وثلاثين درهماً، ثم يرى نفس الكمية معروضة للبيع بستين درهماً، مؤكداً أن هذا الفارق يذهب لصالح الدلال بينما يتحمل الصياد كامل تكاليف الرحلة.
وأكد السويدي أن مثل هذه الممارسات قد تدفع الصيادين إلى البحث عن طرق بديلة لتسويق صيدهم، ما يزيد الأعباء عليهم ويؤثر على جدوى مهنة الصيد بشكل عام.
أما النوخذة محمد بطي فذكر أن الدلال كان يتحصل سابقاً على نسبة بسيطة متفق عليها، لكن اليوم تحولت الممارسة إلى شكل من احتكار الأسعار، حيث يحقق بعض الدلاليين ربحاً يتجاوز خمسمائة درهم من مزاد واحد، مما قد يوفر دخلاً يومياً يصل إلى ثلاثة آلاف درهم إذا تكررت العمليات.
وأشار بطي إلى أن عدداً من الصيادين أبدوا استعدادهم للعودة إلى المهنة شريطة أن تُقصر ممارستها على المواطنين وتخضع لضوابط تمنع المنافسة من جنسيات أخرى.
رؤية سوق الواجهة البحرية وتجربة دبا الفجيرة
من جانبه، بين محمد المدني، المدير المشارك في سوق الواجهة البحرية بدبي، أن السوق يستضيف أكبر مزاد للأسماك في الدولة، حيث يتم تداول ما يقارب مائة وعشرين ألف طن من المأكولات البحرية سنوياً، ويستفيد منه مئات الصيادين والتجار والمشترين يومياً.
وأوضح المدني أن ثلاثة وسبعين في المائة من الشركات المسكرة لمزاولة مهنة الدلالة هي شركات إماراتية، مما يعكس استمرار ارتباط المهنة بالتراث البحري للدولة ومشاركة المواطنين الفعالة.
وبيّن أن الحصول على ترخيص لمزاولة المهنة يتطلب تقديم رخصة تجارية سارية مرتبطة بتجارة الأسماك، وهوية إماراتية، ونسخة من جواز السفر، وبعد استيفاء المتطلبات التنظيمية والحصول على الموافقات، يمكن للشخص بدء العمل كدلال مرخص.
وأكد المدني أن السوق يواصل توفير بيئة متكاملة تشمل صالات مزادات مخصصة، وبنية تحتية متطورة، ومنصات للبيع، وخدمات تشغيلية مساندة، بهدف تمكين الدلاليين من أداء عملهم بكفاءة.
ولتشجيع مشاركة المواطنين، يتعاون السوق مع الجهات الحكومية ومجتمع الصيادين للحفاظ على تقاليد الصيد المتوارثة وضمان ارتباط الأجيال بهذه المهنة.
كما قدم مثال سوق الأسماك في دبا الفجيرة نموذجاً مختلفاً، حيث تُنظم المهنة من قبل جمعية الصيادين بحيث يقتصر دور الدلال على عرض الأسماك في مزاد علني دون أن يشتريها أو يتحكم في الأسعار، مقابل رسم قدره عشرة دراهم على البائع ونسبة تتراوح بين خمسة وعشرة في المائة من المشتري تُورد للجمعية.
ويُستخدم هذا الدخل لتغطية تكاليف التنظيم ودفع راتب شهري للدلال، ما يضمن شفافية العملية ويمنح الصياد ثقة في الحصول على سعر مناسب وفق العرض والطلب.
ويعتقد القائمون على هذا النموذج أن تنظيم المهنة بهذه الطريقة يحافظ على حقوق جميع الأطراف ويقدم مثالاً يُحتذى به لتحقيق توازن أكثر عدالة في سوق الأسماك.



