الرئيسيةمحلياتارتفاع تكاليف البناء في دبي يثير...
محليات

ارتفاع تكاليف البناء في دبي يثير تساؤلات حول استغلال الأزمات ويدفع الجهات الرسمية للتدخل

18/08/2026 07:00

أثار الارتفاع الملحوظ في أسعار مواد البناء في الإمارات جدلاً واسعاً حول مدى مشروعية هذه الزيادات، وما إذا كانت تعكس تكاليف حقيقية أم أنها نتيجة لممارسات استغلالية من قبل بعض المقاولين والموردين. هذا الملف، الذي بات يؤرق آلاف الأسر التي تسعى لبناء “بيت العمر”، سلطت عليه صحيفة البيان الضوء في عددها الصادر أمس، متناولة تأثير هذه التقلبات على حلم الاستقرار السكني.

فقد تحولت عملية بناء المنزل من مجرد مشروع إنشائي إلى رحلة طويلة من الادخار والتخطيط والأمل، لكنها اصطدمت مؤخراً بتحديات كبيرة تمثلت في ارتفاع تكاليف مواد البناء وزيادة نفقات التنفيذ والتشييد، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة. وقد أثار هذا الواقع تساؤلات حول ما إذا كانت كل الزيادات تستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، أم أن بعضها تجاوز ذلك إلى ممارسات استغلالية.

شكاوى من استغلال الظروف الإقليمية

في بعض الحالات، أشار ملاك ومستهلكون إلى أن بعض المقاولين أو الموردين أو الاستشاريين استندوا إلى الظروف الإقليمية لتبرير زيادات كبيرة في الأسعار أو لإعادة تسعير الأعمال. وقد أدى ذلك إلى تحميل أصحاب المنازل أعباء مالية إضافية، وتأخير تنفيذ المشاريع أو توقفها مؤقتاً، مما انعكس سلباً على استقرار الأسرة وخططها المستقبلية. ويقوم العقد الإنشائي في الأساس على مبدأ التوازن بين حقوق والتزامات جميع الأطراف، ويقتضي تنفيذ الالتزامات بحسن نية وعدم استغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب غير مبررة. كما تفرض مبادئ العدالة التعاقدية أن تكون أي زيادة في الأسعار قائمة على أسباب حقيقية يمكن إثباتها، لا على مجرد توقعات أو مخاوف مرتبطة بالأوضاع السياسية.

بلدية دبي تتحرك لتخفيف الأعباء

درست بلدية دبي الملاحظات الواردة من المتعاملين، وبناءً على ذلك عززت تواصلها مع موردي مواد البناء وشركات المقاولين في قطاع البناء، بهدف العمل المستمر على إيجاد حلول عملية تسهم في تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين وضمان استمرارية تنفيذ مشاريعهم السكنية. كما منحت الأولوية في توريد الخرسانة لهذه المشاريع، فضلاً عن دعم أساليب البناء الحديثة لتسهم في إيجاد حلول جديدة لخفض التكاليف. وشكلت البلدية فريق عمل بالتعاون مع جهات الترخيص وشركات المقاولات والاستشارات الهندسية وموردي مواد البناء، لدراسة تكاليف البناء وبحث المبادرات والفرص التي تسهم في خفض التكاليف المرتبطة بالتشريعات والتصاميم الإنشائية ومواد البناء. كما تنظم البلدية برامج ودورات توعوية تغطي رحلة البناء، بدءاً من مرحلة التصميم واختيار الاستشاري والمقاول المؤهلين، وصولاً إلى الإشراف على التنفيذ وضمان جودة الأعمال.

محاكم دبي توفر مساراً ودياً لحل النزاعات

يشكل مركز تسوية منازعات بناء منازل المواطنين في دبي جهة قضائية وخدمية متخصصة أطلقتها محاكم دبي بالتعاون مع بلدية دبي، بهدف توفير مسار ودي وسريع لمعالجة الخلافات المرتبطة بعقود بناء مساكن المواطنين قبل اللجوء إلى التقاضي. ويسهم ذلك في ضمان استمرارية أعمال المقاولات، وتفادي توقف المشاريع، وضمان تسليم المساكن في مواعيدها المحددة، وحماية حقوق الأطراف، ودعم استقرار الأسر. ويتم ذلك من خلال مصلحين هندسيين مختصين يتولون إدارة الخلاف، وتوفير بيئة قانونية وهندسية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف، وتقديم الدعم الفني والإجرائي اللازم، بما يسهم في حسم الخلافات والوصول إلى حلول توافقية تحفظ استمرار المشروع وتحد من تعطل أعمال البناء. ويبدو أن الجمهور المستهدف لخدمات المركز استوعبها بشكل إيجابي. وفي ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع البناء، دعت محاكم دبي المواطنين إلى عدم الاعتماد على الأسعار وحدها عند اختيار المقاول أو الاستشاري، بل إلى التثقيف المسبق والبحث والاستعانة بأهل الخبرة قبل التعاقد، باعتبار أن بناء المسكن قرار أسري واستثماري مهم يتطلب عناية فائقة. وأكدت المحاكم أن المركز يشكل مساراً وقائياً وعملياً يهدف إلى ضمان استمرارية الأعمال وعدم توقف المشاريع، وتبسيط الإجراءات مقارنة بإجراءات التقاضي العامة، وحفظ الحقوق، ودعم استقرار الأسر.

آراء قانونية: العقد هو الحصن الأول

يرى خبراء قانونيون أن العقد الإنشائي يجب أن يكون واضحاً في معالجة فروق الأسعار، وأن يتضمن بنداً لتعديل الأسعار يحدد المواد المشمولة، والسعر الأساسي، والمصدر الرسمي للمقارنة، والحد الأدنى للارتفاع الذي يسمح بطلب المراجعة، ونسبة تحمل كل طرف. ويشير عبدالعزيز الشعفار إلى أن بند تعديل الأسعار ليس شائعاً في السوق المحلية لأن الدولة لم تكن تعاني تاريخياً تضخماً مرتفعاً، لكنه يرى ضرورة إدراجه في العقود الحالية، بحيث يقدم المقاول مستندات تثبت تجاوز الزيادة لهامش الربح. ويؤكد أن التسوية العادلة تقتضي أن يتحمل الطرفان الزيادة معاً، ويدعو إلى إعداد دراسة حكومية شاملة لآثار الارتفاعات على قطاع المقاولات. من جانبه، يوضح ياسر محمد أن نظام التعاقد بـ”المتغير” قد يكون عادلاً، حيث يتحمل المالك فرق السعر إذا ارتفع، ويستفيد من الانخفاض إذا حدث. لكنه يرفض المطالبات غير المتناسبة مع الأثر الحقيقي، ويدعو إلى تنظيم واضح من خلال الاستشاريين. وينصح إبراهيم الحوسني المالك بعدم الاعتماد على نموذج العقد الذي يقدمه المقاول، بل عرضه على مراجعة قانونية وفنية قبل التوقيع، مشيراً إلى أن المادة 829 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي تمنع المقاول في عقد الأجر المقطوع من المطالبة بزيادة لمجرد ارتفاع الأسعار، إلا في حالات استثنائية عامة وغير متوقعة تؤدي إلى انهيار الأساس المالي للعقد، حيث تجيز للمحكمة إعادة التوازن العقدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *