مطوّرون في دبي يؤكّدون متانة السيولة ويدفعون بمشاريعهم رغم التقلّبات الإقليمية

أكّد مسؤولون في شركات تطوير عقاري بدبي أن أوضاعهم المالية لا تزال قويّة، وأن السيولة المتوافرة كافية لمواصلة تمويل المشاريع وتنفيذها وتسليمها، مستبعدين حدوث ضغوط كبيرة قد تدفع إلى إعادة هيكلة الديون أو تأجيل خطط التوسّع. وأشاروا إلى اعتمادهم نماذج تمويل تتراوح بين التمويل الذاتي وسياسات الاقتراض المتحفظة، مؤكّدين استمرار أعمال البناء والتسليم رغم التقلّبات التي خلّفتها التطورات الجيوسياسية الأخيرة.
وأوضح المطوّرون، في تصريحات أدلوا بها لصحيفة «البيان»، أن هذه التطورات أثّرت بدرجات متفاوتة على وتيرة المبيعات والتحصيلات والطلب، لكنّ تأثيرها بقي مؤقّتاً ولم يتحوّل إلى ضغوط هيكلية على السيولة. ولفتوا في المقابل إلى أن المشترين باتوا أكثر انتقائية، وأن السوق يشهد تعديلات وتصحيحاً في الطلب بعد سنوات من النمو القوي؛ معربين عن تفاؤلهم بعودة الزخم وتسارع النشاط في الأشهر المقبلة مع انحسار التوترات واستقرار الظروف الإقليمية.
أرقام مالية تعزّز الثقة
وتدعم حصيلة النصف الأول من عام 2026 لعدد من كبار المطوّرين المدرجين في سوق دبي المالي صورة القوة المالية للقطاع، وإن تفاوتت أوضاع الشركات. فقد بلغ النقد وما في حكمه لدى «إعمار العقارية» نحو 51.4 مليار درهم في نهاية يونيو، مقابل نحو 2.3 مليار درهم من الأرصدة النقدية والمصرفية لدى «ديار للتطوير»، فيما سجّلت «الاتحاد العقارية» نحو 438 مليون درهم من النقد وما في حكمه.
وقال تيزيان راب، نائب الرئيس ومسؤول الاتصالات ومستشار الرئيس التنفيذي لمجموعة «عزيزي للتطوير العقاري»: «لا يزال وضع السيولة والتدفقات النقدية لدينا جيداً، ونعتمد نموذج أعمال قائماً على التمويل الذاتي، ما يمنحنا مرونة كبيرة في إدارة تدفقاتنا النقدية وتمويل أنشطتنا التطويرية من مواردنا الخاصة». وأضاف أن المجموعة، مثل غيرها من المطوّرين العاملين في بيئة إقليمية متغيرة، شهدت بعض التأثير من التطورات الجيوسياسية الأخيرة على المبيعات والتحصيلات، لكن هذه التأثيرات كانت طفيفة ومؤقتة للغاية، وقد تعافت المبيعات والتحصيلات منذ ذلك الحين، ولم تكن بالحجم الذي يستدعي أي تغيير في الخطط، ولا تؤثر في الجداول الزمنية للمشاريع أو تكاليفها أو التزامات التسليم.
وتابع: «ندير مواردنا المالية بما يتوافق مع خطط البناء والتسليم، مع المتابعة المستمرة لحركة السوق والتطورات الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع نطاقاً، ويدعم هذا النهج المالي المنضبط استدامة أعمالنا ومشاريعنا على المدى الطويل». وأكّد أن المجموعة تتمتّع بوضع مالي يمكّنها من الوفاء بديونها والتزاماتها المالية في مواعيدها، مع مواصلة تمويل مشاريعها وتطويرها وتسليمها وفق الجداول الزمنية المعلنة، دون الحاجة إلى إعادة هيكلة الديون أو تأجيل المشاريع، وأن نموذج التمويل الذاتي يلعب دوراً أساسياً في ذلك؛ إذ يتيح الوفاء بالالتزامات وتنفيذ المشاريع بما يتماشى مع الخطط المعتمدة. وأوضح أنه يحرص على إدارة الموارد بحكمة، ومواءمة الإنفاق مع كل مرحلة من مراحل التطوير، مع الحفاظ على وتيرة البناء والتسليم بما يفي بالتزامات العملاء والشركاء.
تحفّظ في الاقتراض
من جانبه، قال عمران فاروق، الرئيس التنفيذي لشركة «سامانا للتطوير العقاري»: إن سوق دبي العقاري يشهد حالياً تعديلات محدودة وتصحيحاً في الطلب، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثّل نوعاً من «البقاء للأقوى»، في ظل قدرة المطوّرين الكبار على التعامل بصورة جيدة مع المتغيرات التي يشهدها سوق العقارات قيد الإنشاء. وأضاف أن أحجام المعاملات لا تزال عند مستويات جاذبة، وأن الأسعار أيضاً لا تزال عند مستوياتها السابقة بالإجمال، والتغيّرات طفيفة، لكنه توقّع خروج بعض اللاعبين الأضعف من السوق.
وأكّد تفاؤله بأداء السوق خلال الأشهر الستة المقبلة وما بعدها، مشيراً إلى أن دبي أظهرت مرونة كبيرة في مواجهة الظروف الحالية، وأن الإمارات اجتازت، حسب وصفه، اختبار التطورات الإقليمية والعالمية بامتياز. وأوضح أن الشركة تعمل حالياً عند نحو 75 – 85 % من مستويات النشاط التي سجّلتها في يناير وفبراير، وهو ما يعتبره مؤشراً يدعم التفاؤل، متوقعاً أن يشهد السوق موجة صعود جديدة مع انحسار الاضطرابات الحالية وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
وأشار إلى وجود اهتمام ملحوظ بالإمارات من مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا وأوروبا، رابطاً ذلك بما أظهرته الدولة من استقرار وقدرة على التعامل مع الظروف الإقليمية. وأوضح أن نسبة التحصيل لدى الشركة تبلغ 96 %، فيما تستمر أعمال الإنشاء بكامل طاقتها، مؤكّداً أن ارتفاع أسعار مواد البناء، ومن بينها الحديد، أو زيادة صعوبة ظروف التنفيذ لا تشكّل مبرراً لإبطاء الأعمال، قائلاً: «نحن مطوّر لا يقدّم الأعذار»، ومؤكّداً استمرار الشركة في تنفيذ مشاريعها رغم التحديات وارتفاع بعض التكاليف.
ورداً على سؤال حول السيولة، أكّد أن الشركة لا تواجه أي مشكلة في السيولة، مشيراً إلى أن نسبة الأصول إلى حقوق الملكية لديها لا تتجاوز 9 %. وأضاف أن الشركة اتبعت سياسة متحفّظة للغاية تجاه الاقتراض، وهو ما منحها، حسب قوله، وضعاً مالياً مريحاً، محذراً بصورة عامة من أن المطوّرين الذين يفرطون في الاقتراض أو لا يديرون ديونهم بصورة سليمة سيدفعون الثمن؛ موضحاً أنه لا يقصد التعليق على حالة شركة بعينها، وإنما يتحدّث عن القطاع بصورة عامة، قائلاً إن أي مطوّر يفرط في الاقتراض قد يواجه تبعات ذلك. وأكّد أيضاً أن الشركة ليس لديها حالياً صكوك أو سندات، ولا ترى حاجة إلى اللجوء إلى هذه الأدوات التمويلية في الظروف الحالية، في ظل امتلاكها مخزوناً من الأراضي يكفي خططها التطويرية المقبلة.
جاذبية قوية وانطلاقة مرتقبة
من جانبه، قال عبد العزيز السند، رئيس مجلس إدارة «سانزين للتطوير العقاري»: إن السوق في الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، لا يزال يتمتّع بجاذبية قوية، ويواصل استقطاب المستثمرين والمطوّرين والمستخدمين النهائيين، مشيراً إلى أن السوق يشهد حالياً حركة ونشاطاً واضحين. وأضاف أن سلوك المشترين أصبح أكثر انتقائية، إذ باتت قرارات الشراء تركّز بصورة أكبر على جودة العقار ونوعية الوحدات والخدمات والمرافق التي يوفّرها المشروع، موضحاً أن شريحة من المشترين كانت تنتظر الوصول إلى السعر المناسب قبل اتخاذ قرارها، إلا أن السوق دخل حالياً مرحلة من الاستقرار تمهّد، برأيه، لانطلاقة جديدة.
وقال: «المشترون بدأوا يدركون أن الفرص المتاحة قد لا تستمر بالمستويات نفسها»، مستخدماً تعبير «قطار الفرص بدأ بالتحرّك»، في إشارة إلى عودة الزخم إلى قرارات الاستثمار والشراء. وحول السيولة لدى شركات التطوير العقاري، استبعد السند وجود مخاوف في هذا الجانب، مؤكّداً أن المطوّرين الرئيسيين يتمتّعون بمستويات سيولة قوية، ويواصلون البحث عن فرص تطوير واستثمار جديدة، إلى جانب قدرتهم على الاستفادة من التمويل المصرفي. وأضاف: «نحن والكثير من زملائنا في شركات التطوير نتمتّع بوضع سيولة ممتاز»، مشيراً إلى أن قوة السيولة تمنح المطوّرين القدرة على استهداف فرص أكبر وإطلاق مشاريع جديدة. وفيما يتعلق بأموال المشترين، أكّد السند أهمية حسابات الضمان والإجراءات الحكومية المنظّمة لها، معتبراً أنها توفّر عنصراً أساسياً من الأمان والحماية للمشترين في المشاريع العقارية. وعن توقّعاته للفترة المقبلة، أعرب عن تفاؤله بأداء السوق خلال الأشهر الستة المقبلة، متوقعاً أن يشهد السوق انطلاقة قوية خلال فترة لا تتجاوز شهرين.
وأكّد يوسف فخر الدين، الرئيس التنفيذي والشريك الإداري لشركة «فخر الدين للعقارات»، أن سوق دبي العقاري يتمتّع بمرونة عالية وقدرة على الصمود، لكن التنبؤ بمساره خلال الأشهر الستة المقبلة يظل صعباً في ظل تعدد الأحداث والتطورات المحيطة بالمنطقة. وأضاف أنه يبقى متفائلاً تجاه مستقبل السوق، قائلاً: «أنا دائماً متفائل، فقد علّمتنا دبي وقيادتها أن نكون متفائلين دائماً». وأوضح أن التصحيح الذي يشهده السوق في الوقت الراهن لا يمثّل تصحيحاً نابعاً من عوامل داخلية في السوق العقاري نفسه، وإنما جاء نتيجة التطورات الجيوسياسية والأحداث الخارجية التي أثّرت في وتيرة النشاط، مضيفاً: «لا أسمّي ما يحدث تصحيحاً في السوق، فالأحداث الخارجية هي التي تسبّبت في التطورات الأخيرة»، ورأى أن لهذه المرحلة جانباً إيجابياً، إذ منحت الجميع وقتاً لالتقاط الأنفاس، وفي الوقت ذاته أظهرت مدى قدرة دبي على الصمود. وأعرب عن ثقته بآفاق السوق بعد انحسار العوامل الخارجية، قائلاً: «عندما تعود الأمور إلى طبيعتها ستنطلق دبي، إن شاء الله، إلى مستويات جديدة». وفيما يتعلق بسيولة الشركة ومركزها المالي، أكّد أنها لا تعتمد على الاقتراض المصرفي، قائلاً: «نحن لا نقترض من البنوك إطلاقاً، وليس لدينا أي سندات أو صكوك، ونحن خالون من الديون بنسبة 100 %»، وأضاف أنها تمول أعمالها من سيولتها الذاتية وأرصدتها المصرفية، في تأكيد على عدم اعتمادها على الديون في تمويل عملياتها.
نهج محافظ يدعم الاستقرار
وقال إيغور كاربيكوف، رئيس الشؤون التجارية في شركة «أر إيفوليوشن للتطوير العقاري»: إن الشركة تتبنى نهجاً محافظاً ومنضبطاً في إدارة السيولة والتدفقات النقدية، بما يضمن الحفاظ على متانة مركزها المالي وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها في مختلف ظروف السوق. وأضاف: «كغيرها من شركات التطوير العاملة في المنطقة، تأثرت الشركة إلى حد ما بالتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من تحديات امتدّت إلى سلاسل التوريد، فضلاً عن التباطؤ الموسمي المعتاد خلال أشهر الصيف، وانعكست هذه العوامل مجتمعة على وتيرة تحصيل مستحقات العملاء والتدفقات النقدية للمشروعات، مقارنة بما كانت عليه في وقت سابق من العام». وتابع: «ومع ذلك تؤكد الشركة أن هذا التباطؤ يندرج ضمن تحديات سوقية قصيرة الأجل، ولا يعكس أي ضغوط هيكلية على مستويات السيولة». وأشار إلى أن سوق العقارات في دبي يواصل إظهار مرونة لافتة، لا سيما في قطاع العقارات الفاخرة، الذي سجّل استثمارات بقيمة 87.71 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 26 % على أساس سنوي.
وبناءً على ذلك، تظل مستويات السيولة لدى الشركة مستقرة، فيما لم تستدعِ التطورات الأخيرة أي تعديلات على خطط التمويل الخاصة بالمشروعات، وتواصل الشركة إدارة التزاماتها المالية وفق نهج منضبط، مع الحفاظ على مرونة كافية للتعامل مع أي مستجدات في ظروف السوق. وأكّد أن الهيكل المالي للشركة صُمّم للحد من الاعتماد على الديون قصيرة الأجل، فيما تحظى مشاريعهم بدعم من شركاء ماليين على المدى الطويل يواصلون التزامهم بها طوال دورة حياتها، بدءاً من تمويل أعمال الإنشاء حتى مرحلة التسليم، ويعزز هذا الهيكل ثقتهم بقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية في مواعيدها، مع مواصلة تمويل المشروع وتنفيذه وتسليمه وفق الجدول الزمني المعلن.
وكان محمد بن غاطي، رئيس مجلس إدارة شركة «بن غاطي للتطوير العقاري»، قد قلّل من أهمية التقارير الأخيرة الصادرة عن وكالات التصنيف الكبرى وبنك «جي بي مورغان»، التي حذّرت من أزمة سيولة محتملة تواجه الشركة، لافتاً إلى أنها تحتفظ حالياً بـ10.6 مليارات درهم في حسابات الضمان، واصفاً إياها بالمؤشر الأدق للصحة المالية للمطوّرين العقاريين. وأكّد في تصريحات لوكالة «بلومبرغ» أن الشركة تتمتّع بمركز مالي قوي وسيولة نقدية ضخمة تضمن وفاءها بالتزاماتها كافة، ومنها الصكوك البالغة قيمته 500 مليون دولار والمستحقة في فبراير 2027.
وفيما يتعلق بالشركات العقارية المدرجة في سوق دبي المالي، فتبدو الصورة أوضح، حيث بلغ رصيد النقد وما في حكمه لدى «إعمار العقارية» نحو 51.4 مليار درهم بنهاية يونيو 2026، وولّدت المجموعة تدفقات نقدية صافية من الأنشطة التشغيلية بقيمة 11.6 مليار درهم خلال النصف الأول من العام. وأظهرت القوائم المالية أن نحو 44.1 مليار درهم من إجمالي النقد وما في حكمه تمثّل دفعات مقدمة من العملاء على المبيعات العقارية مودعة في حسابات ضمان المشاريع، وأكّدت «إعمار العقارية» في قوائمها احتفاظها بمركز سيولة قوي مدعوماً بالتحصيلات النقدية والتمويل المتاح والتصنيفات الائتمانية الاستثمارية.
وبالنظر إلى شركة «ديار للتطوير»، فقد بلغ صافي الأرصدة النقدية والمصرفية نحو 2.31 مليار درهم بنهاية يونيو 2026، فيما بلغت القروض نحو 371.9 مليون درهم، ومن إجمالي الأرصدة النقدية والمصرفية، بلغ رصيد حسابات ضمان المشاريع نحو 1.62 مليار درهم، وهي أموال مخصّصة للمدفوعات المتعلقة بإنشاء المشاريع المعنية. وسجّلت الشركة تدفقات نقدية تشغيلية موجبة بقيمة 307.8 ملايين درهم خلال النصف الأول من العام، مقابل نحو 246.3 مليون درهم خلال الفترة المقابلة من عام 2025، بما يعكس استمرار توليد النقد من الأنشطة التشغيلية.
بالمقابل، بلغ إجمالي النقد والأرصدة المصرفية لدى «الاتحاد العقارية» نحو 438.1 مليون درهم بنهاية يونيو 2026، ويتضمن نحو 123.8 مليون درهم في حسابات ضمان مرتبطة بمشاريع محددة، وبلغت القروض المصرفية نحو 278.7 مليون درهم، إضافة إلى نحو 26.9 مليون درهم من السحب على المكشوف. وسجّلت الشركة تدفقات نقدية تشغيلية بقيمة 105.4 ملايين درهم خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل تدفقات موجبة بنحو 182.7 مليون درهم في الفترة المقابلة من عام 2025.



