دبي تبدأ بناء أول ولاية قضائية مشتركة بين البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات

أعلن عارف أميري، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، عن انطلاق العمل في إنشاء أول ولاية قضائية على مستوى العالم تدمج بين الكوادر البشرية ووكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات ضمن بيئة واحدة قائمة على بنية تحتية ذكية وحوكمة موثوقة.
تجاوز تحسين العمليات التقليدية
أوضح أميري أن هذه المبادرة لا تقتصر على توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى دمجه في كافة مراحل الخدمات المالية والعمليات التشغيلية، مما يسهم في رفع كفاءة المؤسسات وقدرتها على خدمة العملاء وإدارة المخاطر، ويعزز مكانة دبي كمركز مالي عالمي تنافسي.
وأشار في تصريحات لصحيفة “البيان” إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير أساليب تقديم الخدمات المالية، وأن الخطوة المقبلة تتمثل في تحويل المراكز المالية نفسها. وأكد أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يعني مجرد استخدام التكنولوجيا لتحسين عمليات منفردة، بل دمج أدواته في المنظومة الكاملة التي تعمل من خلالها الشركات، بدءاً من تأسيس مقارها وإدارة عملياتها وصولاً إلى تواصلها ونموها.
وقال: “نحن في دبي نعمل على بناء مركز مالي مصمم لعصر الذكاء الاصطناعي، قادر على استثمار الفرص التي يتيحها”. وتابع أن المركز كشف مؤخراً عن رؤية لإنشاء أول مركز مالي في العالم يقوم جوهره على الذكاء الاصطناعي، مما يستدعي إعادة بناء الأسس التي تربط بين الأطر القانونية والتنظيمية والعمليات التشغيلية وتنمية المواهب والبنية التحتية بحيث يعزز كل عنصر منها الآخر.
وأضاف أن الهدف هو توفير بيئة تحول الاعتماد الموثوق على الذكاء الاصطناعي إلى قدرة تنافسية مؤسسية، وعنصر جذب لرؤوس الأموال، وخلق قيمة اقتصادية، دعماً لمستهدفات أجندة دبي الاقتصادية (D33) وطموح دبي في أن تصبح ضمن أفضل أربعة مراكز مالية عالمياً.
الثقة حجر الزاوية
أكد أميري أن الثقة ستكون الركيزة الأساسية لهذه الجهود، مشيراً إلى حاجة الشركات والمؤسسات إلى وضوح حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد المسؤوليات، وضمان تطبيق تدابير الحماية المناسبة. وأشار إلى أنه في عام 2023، أطلق المركز استراتيجية الذكاء الاصطناعي الممتدة لخمس سنوات، وأدخل أحكاماً ضمن اللائحة رقم 10 من إطار قانون حماية البيانات، تنظم معالجة البيانات الشخصية بواسطة الأنظمة المستقلة وشبه المستقلة، بما يشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. وأكد ضرورة مواكبة القوانين وضمانات الحماية للتطور التكنولوجي المتسارع، خاصة مع تزايد استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وأوضح أن أطر الحوكمة لا تكتسب أهميتها إلا عبر فعاليتها على أرض الواقع، حيث يوظف المركز الذكاء الاصطناعي لدعم امتثال العملاء وإدارة العلاقات معهم، بينما تساعد النماذج المتخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي الموظفين في أداء مهامهم. وأكد أن هذه التطبيقات مجرد بداية، وأن الفرصة الأكبر تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي عبر مختلف مراحل سير العمل والخدمات، بما يساعد المؤسسات على خدمة عملائها وإدارة المخاطر والاستفادة المثلى من وقت الكوادر البشرية.
المناطق الذكية والبنية التحتية المتطورة
قال أميري إن الخطوة التالية تتمثل في ربط هذه الخبرات بالشركات ورؤوس الأموال والبنية التحتية، مشيراً إلى أن مركز دبي المالي العالمي يعمل منذ أكثر من خمس سنوات على طرح مبادرات المناطق الذكية. وأضاف أنه بحلول عام 2030، ستضم منطقة “ذا جيت” الحالية ومشروع التوسعة الجديدة “زعبيل ديستركت” نسبة كبيرة من المباني الذكية، وأنظمة التنقل الذاتي، وروبوتات الخدمة، والتوائم الرقمية، والمرافق الذكية، مشيراً إلى أن أجهزة الاستشعار وأنظمة الإدارة المتصلة يمكن أن تجعل البيئة المادية تعمل بذكاء أكبر، مما يمثل طريقة لدمج الذكاء الاصطناعي الرقمي والمادي في الاستخدامات اليومية.
وأوضح أن المركز يضم بيئة خصبة لتنفيذ هذه الأفكار، إذ يحتضن 10 آلاف شركة نشطة، من بينها 327 بنكاً وشركة لأسواق رأس المال، ونحو 600 شركة متخصصة في إدارة الثروات والأصول، وأكثر من 1900 شركة تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار. وأكد أن هذا التنوع والحجم يفرضان مسؤولية تبني نهج عملي يستجيب لاحتياجات المؤسسات الخاضعة لأطر رقابية متنوعة.
وتطرق أميري إلى أهمية بناء قاعدة من الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر برامج التعليم التنفيذي والتدريب على الجوانب التنظيمية ومنح الشهادات التقنية وغيرها، لمواكبة الاحتياجات المتغيرة للقطاع.
قيمة اقتصادية وفرص عمل جديدة
أشار أميري إلى أن هذا التحول من المتوقع أن يولد قيمة اقتصادية تبلغ 3.5 مليارات دولار، ويستحدث 25 ألف وظيفة جديدة، مرهوناً بوجود حوكمة موثوقة وكفاءات بشرية ومؤسسية قادرة على تحويل التجارب إلى قيمة مستدامة. وأكد أن الذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي لجعل أي مركز مالي أكثر تنافسية، بل إن الحوكمة تكرس الثقة اللازمة لتبني هذه التقنيات، والكفاءات البشرية تحول الأطر القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات وقيمة حقيقية.
واختتم قائلاً: “تربط هذه المنظومة المتكاملة بين القدرات ورأس المال، بينما تقوم العمليات التشغيلية المدمجة بتحويل تلك القدرات إلى قيمة مؤسسية. وتشكل هذه البنية التحتية الذكية نسيجاً يمتد عبر المركز المالي بكامله، مما يؤدي إلى خلق مركز مالي مصمم للمنافسة وجذب الاستثمارات والتأثير في كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي العالمي. نحن في مركز دبي المالي العالمي نعمل اليوم على بناء هذا المستقبل، من خلال إنشاء أول ولاية قضائية في العالم يعمل فيها الكوادر البشرية ووكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات جنباً إلى جنب، ضمن منظومة تقوم على بنية تحتية ذكية وحوكمة موثوقة”.




