محامون يؤكدون حق المستهلك في نقد الخدمات إلكترونياً مع تحذير من التشهير والعقوبات

أكد محامون ومستشارون قانونيون أن التقييمات السلبية التي ينشرها المستهلكون عبر المواقع والتطبيقات الإلكترونية لا تشكل جريمة بمجرد التعبير عن عدم الرضا عن خدمة أو منتج، حتى وإن أثرت في السمعة التجارية للمنشأة. وشددوا على أن القانون يكفل حق المستهلك في عرض تجربته الحقيقية، لكنه يضع حدوداً فاصلة بين النقد المشروع، والسب والقذف والتشهير واختلاق الوقائع، التي قد تعرض مرتكبيها للحبس وغرامات تصل إلى 500 ألف درهم.
التقييمات السلبية بين النقد المشروع والمسؤولية القانونية
أوضح المحامون أن المسؤولية القانونية لا ترتبط بعدد النجوم التي يمنحها العميل، أو بمجرد نشر تعليق سلبي، وإنما بمضمون العبارات وصحة الوقائع والظروف المحيطة بالنشر. وحذروا من استغلال منصات التقييم في تنظيم حملات وهمية، أو توجيه اتهامات لا تستند إلى أدلة.
جاءت هذه التأكيدات عقب إعلان شرطة دبي ضبط مجموعة من الأشخاص على خلفية نشر تعليقات سلبية وغير صحيحة عبر تطبيق «خرائط جوجل»، استهدفت إحدى الشركات، بقصد الإضرار بها وتشويه سمعتها. وكشفت التحريات عن قيام محال تجارية بتشكيل مجموعات لنشر تلك التقييمات. وأكد الرائد ياسر جمعة محمد، رئيس قسم جرائم التواصل الاجتماعي في إدارة الجرائم الإلكترونية والسيبرانية بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، وجود حدود لحرية الرأي والتعبير، وعدم جواز استغلال التعليقات للإضرار بالآخرين ومصالحهم.
عقوبات تصل إلى 500 ألف درهم للسب والقذف الإلكتروني
حذرت حملة «الإمارات آمنة بوعيك الرقمي»، التي أطلقتها وزارة الداخلية بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة دبي ومركز دبي للأمن الإلكتروني، من مخاطر السب والقذف عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأشارت إلى أن المادة 43 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021، بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تقرر عقوبة الحبس والغرامة التي تتراوح بين 250 ألفاً و500 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، عند توافر أركان جريمة السب أو القذف الإلكتروني.
وأوضح المستشار القانوني محمد الحايس أن خطورة بعض التقييمات الإلكترونية لا تكمن في انخفاض عدد النجوم أو حدة الانتقاد وحدهما، وإنما في استخدامها للإضرار المتعمد بالمنشآت والأشخاص من خلال نشر وقائع مختلقة أو تنظيم حملات تقييم وهمية. وأشار إلى أن التقييم الإلكتروني يستمد أهميته من ارتباطه بتجربة حقيقية، بينما تختلف المسؤولية القانونية عندما ينشر أشخاص تعليقات عن خدمات لم يحصلوا عليها، أو ينسقون فيما بينهم لنشر اتهامات تستهدف الإساءة إلى منشأة أو الضغط عليها.
حماية حق المستهلك في التعبير عن التجربة الحقيقية
أكد الدكتور يوسف الشريف، المحامي والمستشار القانوني، أن التعامل مع التقييمات الإلكترونية ينبغي أن ينطلق من حماية حق المستهلك في التعبير عن تجربته، بالتوازي مع حماية المنشآت من الافتراء والإساءة. وحذر من أن المبالغة في التركيز على العقوبات قد تدفع المستهلكين إلى الصمت عن الخدمات التي لم يحصلوا عليها بالمستوى المطلوب، وتحوّل منصات التقييم إلى مساحات للمديح تفقد معها دورها في مساعدة الجمهور على الاختيار.
وأوضح أن المادة 30 من الدستور الإماراتي تكفل حرية الرأي والتعبير في حدود القانون، فيما تقرر المادة 54 من قانون الجرائم والعقوبات إباحة الفعل الذي يقع بنية سليمة، استعمالاً لحق مقرر قانوناً وفي نطاقه، بما يدعم حق المستهلك في وصف تجربة حقيقية بعبارات تتصل بمستوى الخدمة. وأشار إلى أن قانون حماية المستهلك يعزز هذا التوجه من خلال إقرار حق المستهلك في الحصول على المعلومات الصحيحة، واختيار السلع والخدمات المناسبة.
وشدد على أن مجرد تضرر المنشأة تجارياً من تقييم سلبي لا يكفي لإثبات تجاوز المستهلك أو تعسفه، موضحاً الفرق بين عميل يذكر تأخر تنفيذ طلبه أسبوعين عن الموعد المتفق عليه، وآخر يوجه اتهامات بالسرقة والاحتيال، أو يختلق وقائع، أو ينظم حملة تقييمات بمشاركة أشخاص لم يتعاملوا مع المنشأة. ودعا إلى الاحتفاظ بالفواتير والمراسلات التي تثبت حقيقة التعامل، وإحالة الاتهامات التي تستدعي التحقيق إلى الجهات المختصة، مؤكداً أن تقديم شكوى ضد صاحب التقييم لا يعني ثبوت ارتكابه جريمة.
نصائح قانونية للمستهلكين والمنشآت
أكد المحامي علي الحمادي أن الفارق بين النقد المشروع والإساءة يكمن في الكلمات المستخدمة لوصف التجرية، وما إذا كان المستهلك يعرض وقائع حدثت بلفعل، أم يوجه إهانات وإتهامات إلى مقدم الخدمة. وأوضح أن المادة 425 من قانون الجرائم والعقوبات تنظمالقذف، الذي يكوم على إسناد واقعة إلى الغير بطريق العلانية، من شأنها أن تجعله محلاً للعقاب أو الإزدراء، فيما تتناول المادة 426 السب الذي يمس شرف الشخص أو اعتباره دون إسناد واقعة محددة.
وضرب أمثلة توضح الفارق بين النقد والإساءة، منها أن يذكر المستهلك أنه انتظر ساعة بعد الموعد المحدد، بدلاً من وصف العاملين بأنهم محتالون، أو أن المبلغ لم يُسترد رغم طلبه، بدلاً من اتهام المنشأة بالسرقة، أو أن العطل عاد بعد الصيانة بيومين، بدلاً من اتهام الفني بتعمد إتلاف الجهاز. وأكد أن هذه الصياغات لا تمنح حصانة تلقائية، إذ يجب أن تكون الوقائع صحيحة وأن تعرض بدقة، كما أن إضافة عبارة «هذا رأيي الشخصي» لا تلغي المسؤولية إذا تضمن التعليق إهانة أو اتهاماً مجرماً.
بدوره، قال المحامي الدكطور راشد الكيتوب إن التقييمات الإلكترونية تمنح المستهلكين مساحة مهمة لعرض تجاربهم، لكنها تفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية، تتعلق بمضمون ما ينشرونه، مؤكداً أن النقد المشروع ينبغي أن يتناول الخدمة أو العمل في حدود موضوعه، دون تجريح أو تشهير. وأوضح أن السب قد يقع بالتلميح، كما يقع باللفظ الصريح، ما يعني أن تجنب الشتائم المباشرة لا يكفي إذا كانت العبارات تحمل في مضمونها إهانة أو مساساً بكرامة الأشخاص وسمعتهم. ونصح المستهلكين بكتابة الوقائع بدقة، والاحتفاظ بالفواتير والمراسلات، وتجنب نشر صور العاملين وبياناتهم الشخصية.
أكد المحامي محمد العوامي المنصوري، أن التقييمات الإلكترونية أصبحت جزاءً أساسياً من العلاقة بين المستهلك والمنشأة، وأداة مؤثرة في قررات الشراء واختيار الخدمات، ما يفرض مسؤولية مشتركة على الطرفين في التعامل معها بوعي. وأوضح أن حصول المنشأة على تقييم سلبي لا يعني بالضرورة تعرضها لإساءة يعاقب عليها القانون، إذ قد يكون المستهلك غير راضٍ عن جودة الخدمة أو سرعة إنجازها أو طريقة التعامل معه، ومن حقه التعبير عن تجربته الحقيقية ضمن الحدود القانونية. وأكد أن حماية السمعة التجارية لا تقتصر على الإجراءات القانونية، بل تتحقق أيضاً من خلال الاستجابة لشكاوى العملاء، وتوضيح الملابسات، وتصحيح الأخطاء عند ثبوتها.




