الثقافة السعودية: من بناء القطاع إلى تحقيق الأثر المستدام

الثقافة كجزء من نمط الحياة
ترى الاستراتيجية السعودية للثقافة أن تكون جزءًا من everyday life للمواطن، حيث تساهم في تعزيز الهوية الوطنية وتصل إلى جميع المناطق وشرائح المجتمع، مما يرفع جودة الحياة. من خلال دمج النشاطات الثقافية في القراءة والفنون والموسيقى والتراث وعروض الأزياء والعلاقة بالبيئة الجمالية والتاريخية والإنسانية، يصبح المواطن قادرًا على الوصول إلى المنتج الثقافي والمشاركة فيه وصناعته. وقد لاحظنا هذا التوجه في مبادرات ميدانية وضعت الثقافة أمام الجمهور في معظم الأماكن، وإن ركزت على جوانب ثقافية محددة، فإنها تسعى لتحويل الثقافة إلى عامل فعال في تحسين الحياة وإضفاء الحيوية والقدرة على الإبداع والتجدد على المجتمع.
الثقافة كمحرك للنمو الاقتصادي
تعتبر الركيزة الثانية للاستراتيجية أن الثقافة تمثل محركًا للاقتصاد، وهو توجه يتماشى مع التحولات العالمية التي جعلت الاقتصاد الإبداعي أحد أسرع القطاعات نموًا وأعلى قدرة على توليد القيمة المضافة. اليوم أصبحت الثقافة مصدرًا لفرص اقتصادية واستثمارية، ودافعًا لصناعات متنوعة مثل النشر والأفلام والموسيقى والتصميم والفنون البصرية والتراث والمنتجات الإبداعية بأشكالها المختلفة، متجاوزة مجرد العد والإنتاج الرمزي. من هنا يبرز الانتقال من قياس النشاط الثقافي إلى قياس الأثر الثقافي؛ فبينما تبقى أعداد الفعاليات والزوار ومؤشرات المشاركة مهمة لفهم حجم الحراك، فإن المرحلة القادمة تركز على الاستدامة والتأثير طويل الأمد، خاصة مع تزايد مكانة السعودية اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا وتحولها إلى نموذج للتطور الذكي ومستضيف رئيسي للمؤتمرات والفعاليات العالمية. في هذا السياق، يصبح قياس الأثر أكثر دلالة من قياس النشاط، لأنه يكشف التحولات الحقيقية التي تتركها الثقافة في الأفراد والمؤسسات والمدن والمجتمعات، من خلال صناعة المواهب المستدامة وتحويل الإبداع إلى مسار مهني وتعزيز مساهمة الاقتصاد الإبداعي في التنمية الوطنية وترسيخ حضور الثقافة في الحياة اليومية ومدى فاعلية الأفراد في هذا النتاج.
الثقافة وتعزيز المكانة الدولية
الركيزة الثالثة تركز على دور الثقافة في رفع مكانة المملكة على الساحة العالمية، مستندة إلى مفهوم القوة الناعمة للمنتج الثقافي الذي يؤثر عبر الأفكار والقيم والإبداع. تتشكل المكانة الدولية من خلال القدرة على إنتاج محتوى ثقافي مؤثر وتقديم تجربة إنسانية تصل إلى العالم وتشاركون في الحوار الثقافي العالمي، تمامًا كما تُبنى عبر المؤشرات الاقتصادية أو النفوذ السياسي. ومن ثم فإن المرحلة القادمة من المشروع الثقافي السعودي ترتبط بقضية الهوية الثقافية للمدن. فقد نجح المشهد الوطني خلال السنوات الماضية في بناء قطاع ثقافي متنامٍ وتوسيع المشاركة وإطلاق مشاريع ومؤسسات نوعية في مختلف المناطق، لكن الخطوة التالية قد تكون بناء هوية ثقافية أكثر وضوحًا للمدن السعودية نفسها. فالمدن الثقافية المؤثرة عالميًا استقت تميزها من قدرتها على تحويل تاريخها وذاكرتها وخصائصها الإنسانية إلى هوية ثقافية متماسكة يسهل التعرف عليها. وبالتالي فإن التعامل مع هوية المدن كمشروع طويل الأمد يستند إلى تراكم الإبداع المحلي والمؤسسات الثقافية والذاكرة التاريخية والإنتاج المعرفي والتجارب الإنسانية المتتالية يتماشى مع مرحلة النضج والإمكانات التي وصلت إليها المؤسسة الثقافية، إذ لا تُصنع الهوية بقرار إداري ولا تتشكل عبر فعالية موسمية أو حملة تسويقية محدودة زمنًا، بل تنمو تدريجيًا عندما ينجح المكان في التعبير عن نفسه وإنتاج قصته الخاصة وتقديم مساهمته المميزة في المشهد الوطني. ومع امتلاك السعودية تنوعًا جغرافيًا وتاريخيًا وثقافيًا واسعًا، تتاح الفرصة للمدن السعودية لتطوير هويات ثقافية مميزة داخل إطار وطني جامع، مما يعزز جاذبيتها الثقافية والاقتصادية والسياحية ويزيد قدرتها على الإسهام في الصورة الثقافية للمملكة عالميًا. وفي الوقت نفسه تزداد أهمية العدالة الثقافية كشرط أساسي لنجاح أي منظومة ثقافية وطنية، من خلال إتاحة الفرص الثقافية لمختلف المناطق وتمكين المواهب أينما وجدت وتوسيع الوصول إلى الخدمات الثقافية وتحويل التنوع الثقافي للمملكة إلى مصدر إثراء متبادل بين المجتمعات المحلية، ما يسهم في بناء مشهد ثقافي أكثر توازنًا وقدرة على التعبير عن ثراء التجربة السعودية وتنوعها.
قياس الأثر الثقافي كمؤشر للنجاح
ما يكشفه تقرير الحالة الثقافية في جوهره هو أن المملكة تجاوزت مرحلة إثبات أهمية الثقافة ودخلت مرحلة أعمق ترتبط بفهم أثرها وإدارة نموها وقياس نتائجها البعيدة المدى. وفي هذه المرحلة يصبح الحديث عن الثقافة حديثًا عن جودة الحياة، وعن الاقتصاد الإبداعي، وعن صورة المدن، وعن الهوية الوطنية، وعن المكانة الدولية للمملكة في آن واحد. عندما تصل الثقافة إلى هذه النقطة تتحول إلى قوة تنموية متكاملة تشارك في تشكيل المجتمع والمكان والمستقبل، وتصبح قدرتها على صناعة الأثر المؤشر الأهم على نجاح المشروع الثقافي واستدامته.



