فرد درويل يطرح رؤية متعددة الأبعاد للزمن وأثرها على الذاكرة الجماعية

يستهل المفكر الفقير درويل تأمله للزمن بنظرة تختلف عن المفاهيم التقليدية، حيث يعتبر أن الإنسان يمر عبر عدة أزمنة متزامنة. يحدد درويل ثلاثة أطر زمنية أساسية: الأول هو الزمن الاجتماعي الذي تُشكّله العلاقات الإنسانية وتُحكمه المناسبات الكبرى التي تُعيد رسم معالم المجتمعات.
الزمن الثقافي وعناصره المتجذرة
الثاني هو الزمن الثقافي، وهو ما يثبت في العادات، والتقاليد، والأمثال، والأغاني، والطقوس التي تنتقل من جيل إلى جيل. أما الإطار الثالث فيُسمى زمن الأشياء، حيث تتحول المباني القديمة، والآبار، والأسواق، والقطع التراثية، وحتى الأدوات اليومية إلى حاويات تحتفظ بذاكرة المكان وتستدعي حكايات لا تُسجل غالباً في الوثائق المكتوبة.
الذاكرة الشفوية وتجاوز التقويم الزمني
عند الجلوس مع شخص مسن، يلاحظ المتحدث سريعاً أن الذاكرة لا تُرتب الوقائع وفقاً للسنوات. قد يبدأ السارد بسرد بيت هُدم منذ عقود، ثم ينتقل إلى موسم مطري غيّر مجرى حياة القرية، ثم يستعيد وجهًا رحل عن الدنيا منذ زمن بعيد. هذا التسلسل لا يتبع التقويم الرسمي، بل يُقاس بأهمية الحدث في قلب الراوي، ما يجعل السرد الشفوي أقرب إلى التجربة الإنسانية الحية.
القيمة الفريدة للتاريخ الشفاهي في حفظ التراث
من هنا تنبع أهمية الروايات الشفوية في توثيق التراث الثقافي. فبينما تُظهر الوثائق ما وقع، تكشف الحكايات الشفوية عن طريقة عيش الناس لتلك الأحداث، وتأثيرها على لغتهم، وعلاقاتهم، ونظرتهم إلى الحياة. هي التي تلتقط التفاصيل الدقيقة التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية، ومع ذلك تشكل جوهر هوية المجتمع وروحه.
السعودية وتحديات توثيق الذاكرة الجماعية
في المملكة العربية السعودية، يزداد وزن هذا النوع من التوثيق مع تلاحق التحولات الكبيرة التي سبقتها حكايات انتقلت عبر الأجيال. أسماء الأماكن، والقصص المرتبطة بالأسواق القديمة، وروايات الرحلات، والمهن التقليدية، كلها تُشكل أرشيفاً حياً يستدعي رعاية لا تقل عن رعاية الوثائق الرسمية.
تدعو أفكار درويل إلى إعادة تقييم مفهوم الزمن ذاته، مؤكداً أن الماضي لا يظل محصوراً بين صفحات الكتب فحسب، بل يظل حاضراً في ذاكرة الناس، وفي الأشياء التي تركها الأجداد، وفي الثقافة التي تستمر في الظهور عبر تفاصيل الحياة اليومية. كل حكاية شفوية صادقة تُضيف لبنة جديدة إلى صورة التاريخ، وتعمق فهمنا للمجتمع.
وعند الاستماع إلى الذاكرة بإنصات، يتضح أن الزمن لا يرحل دون أن يترك أثراً؛ بل يظل يتجلى في الإنسان، وفي المكان، وفي الأشياء التي ما زالت تحكي قصص أصحابها لمن يملك القدرة على الاستماع.



