1.2 مليار إسترليني خلال 14 شهراً.. الستة الكبار يستنزفون مواهب الدوري الإنجليزي

رفعت صفقة انتقال البرازيلي برونو غيمارايش من نيوكاسل يونايتد إلى أرسنال، مقابل 75 مليون جنيه إسترليني، إجمالي إنفاق أندية “الستة الكبار” على شراء لاعبين من بقية أندية الدوري الإنجليزي الممتاز إلى نحو 1.2 مليار إسترليني خلال 14 شهراً فقط. وشهدت تلك الفترة إتمام 23 صفقة، في مؤشر على تسارع انتقال أبرز المواهب داخل المسابقة نحو الأندية الأكثر ثراءً. وتضم قائمة “الستة الكبار” أرسنال وتشيلسي وليفربول ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتوتنهام.
صفقة غيمارايش وتوجه أرسنال الجديد
كشف تقرير نشرته صحيفة “ذا أتلتيك” أن انتقال غيمارايش، البالغ 28 عاماً، يعزز توجه أرسنال نحو إنفاق مبالغ كبيرة على لاعبين قادرين على إحداث تأثير مباشر مع الفريق الأول. فقد أنفق النادي في الموسم الماضي نحو 185 مليون إسترليني على لاعبين تجاوزت أعمارهم 24 عاماً، وهو أعلى إنفاق لنادٍ إنجليزي على هذه الفئة العمرية خلال موسم واحد، قبل أن يتوج الفريق بأول لقب له في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ 22 عاماً.
وأضاف رحيل غيمارايش، الذي كان أحد أبرز لاعبي نيوكاسل، اسماً جديداً إلى قائمة النجوم الذين غادروا ملعب “سانت جيمس بارك” خلال الفترة الأخيرة، بعدما سبقه ألكسندر إيزاك وأنتوني غوردون وساندرو تونالي، إلى جانب المدرب إيدي هاو، منذ سبتمبر الماضي.
نيوكاسل يتحول إلى بائع كبير
تحول نيوكاسل في الوقت نفسه إلى أحد أبرز الأندية في بيع اللاعبين، إذ حقق 352 مليون إسترليني من مبيعات لاعبيه خلال 12 عاماً حتى نهاية يونيو 2025. وتشير تقديرات “ذا أتلتيك” إلى أنه نجح في معادلة هذا الرقم تقريباً خلال الأشهر الـ12 الأخيرة وحدها، حتى بعد احتساب نسب إعادة البيع ومدفوعات التضامن المستحقة للأندية السابقة.
وجعل انتقال غيمارايش إلى أرسنال منه الصفقة العاشرة خلال الصيف الحالي التي ينتقل فيها لاعب من أحد أندية الدوري الإنجليزي خارج “الستة الكبار” إلى أحد الأندية الستة. وقد سار في الاتجاه نفسه كل من مورغان روجرز وإليوت أندرسون وساندرو تونالي وماكسنس لاكروا ويان بول فان هيكه ويوري تيليمانس وداني ويلبيك وماركوس سينيسي وجوردان هندرسون، فيما انتقل حارسا المرمى الاحتياطيان إيلان ميلييه وكارل دارلو بالطريقة ذاتها في صفقتي انتقال حر.
وتيرة قياسية للانتقالات الداخلية
أظهرت دراسة أجرتها “ذا أتلتيك”، واعتمدت فيها على الأندية الستة الأعلى دخلاً في كل موسم من الدوري الإنجليزي، أن وتيرة انتقال اللاعبين من بقية فرق المسابقة إلى هذه المجموعة بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق. واستبعدت الدراسة الصفقات المجانية الخاصة بحراس المرمى الاحتياطيين، وكذلك الانتقالات التي تتم بين أندية “الستة الكبار” نفسها، مثل انتقال أندري سانتوس مؤخراً من تشيلسي إلى مانشستر يونايتد.
وشهد صيف العام الماضي انتقال 11 لاعباً من أندية خارج المجموعة الكبرى إلى أندية “الستة الكبار”، وشاركت الأندية الستة جميعها في تلك الصفقات، قبل أن يرفع مانشستر سيتي العدد خلال فترة الانتقالات الشتوية، بالتعاقد مع أنطوان سيمينيو ومارك غويهي، اللذين كانا من أبرز لاعبي بورنموث وكريستال بالاس على الترتيب، ليصل إجمالي موسم 2025-2026 إلى 13 صفقة ويسجل رقماً قياسياً جديداً.
وسبق أن وصل عدد هذه الانتقالات إلى خانة العشرات مرة واحدة فقط، خلال موسم 2014-2015، عندما شهدت المسابقة 10 صفقات من هذا النوع، بينها خمسة لاعبين غادروا ساوثهامبتون، وثلاث صفقات شهدت رحيل لاعبين عن سوانزي سيتي.
وتختلف الموجة الحالية عن تلك الفترة في اتساع نطاقها، إذ فقد 11 نادياً مختلفاً في الدوري الإنجليزي لاعبين لصالح “الستة الكبار” منذ بداية الصيف الماضي، ليصل الإجمالي إلى 23 صفقة خلال 14 شهراً بتكلفة قاربت 1.2 مليار إسترليني.
الفجوة المالية تتسع بين الأندية
منحت هذه الأموال الأندية البائعة موارد كبيرة لإعادة الاستثمار والتعاقد مع لاعبين جدد، بالتزامن مع ارتفاع عائدات الجوائز المحلية، وهو ما أسهم في زيادة القوة المالية والفنية لأندية وسط جدول الدوري الإنجليزي. وأشار التقرير إلى أن النجاحات المتكررة للأندية الإنجليزية في نهائيات الدوري الأوروبي ودوري المؤتمر الأوروبي تقدم مؤشراً على قوة هذه الفئة من فرق المسابقة، لكن تزايد رحيل أبرز اللاعبين إلى المنافسين المحليين يعزز في المقابل التسلسل الهرمي داخل الكرة الإنجليزية، خصوصاً مع ارتفاع معدل هذه الانتقالات مقارنة بالفترات السابقة.
واعتاد مانشستر يونايتد خلال حقبة مدربه السابق أليكس فيرغسون استقطاب أبرز لاعبي الأندية الأقل قوة مالية، إذ انتقل إلى “أولد ترافورد” بين عامي 1994 و2006 لاعبون مثل تيدي شيرينغهام ودوايت يورك وريو فرديناند وواين روني، إلا أن عدد الصفقات من هذا النوع بلغ تسعاً فقط على مدار 12 موسماً.
ونفذ مانشستر سيتي وحده خمس صفقات مماثلة خلال ما يزيد قليلاً على 12 شهراً، بينما أبرم تشيلسي ست صفقات، وإن كانت صفقتا ويلبيك وهندرسون تختلفان في طبيعتهما عن شراء لاعبين أساسيين في ذروة مسيرتهم. وأتم توتنهام أربع صفقات، مقابل ثلاث لكل من أرسنال ومانشستر يونايتد، وصفقتين لليفربول، إحداهما التعاقد مع إيزاك من نيوكاسل في صفقة قياسية بريطانية.
وتصدر تشيلسي القائمة على مدى العقد الأخير، بعدما ضم 17 لاعباً من أندية الدوري الإنجليزي الموجودة خارج “الستة الكبار”، في امتداد لنشاطه الكبير في سوق الانتقالات واعتماده على التعاقد مع لاعبين شباب سبق لهم إثبات قدراتهم في المسابقة.
ودفع برايتون الثمن الأكبر خلال السنوات الأخيرة، بعدما غادره 10 لاعبين إلى أندية “الستة الكبار” منذ صيف 2021، وانتقل خمسة منهم إلى تشيلسي، هم مويسيس كايسيدو ومارك كوكوريلا وجواو بيدرو وروبرت سانشيز، وأخيراً داني ويلبيك.
ويرتبط تسارع الظاهرة بالفجوة المالية المتزايدة بين الأندية، إذ بلغ متوسط إيرادات نادي “الستة الكبار” في موسم 2024-2025 نحو 635 مليون إسترليني، رغم عدم مشاركة ثلاثة منها في دوري أبطال أوروبا خلال ذلك الموسم، مقابل متوسط بلغ 214 مليوناً فقط لبقية أندية الدوري، بفارق وصل إلى 421 مليون إسترليني.
ووصلت هذه الفجوة إلى أكبر مستوى لها على الإطلاق، بعدما اتسعت سنوياً منذ 2011 باستثناء الموسمين اللذين تأثرا بجائحة “كوفيد-19”. وارتفع متوسط إيرادات “الستة الكبار” منذ الجائحة بنحو 189 مليون إسترليني، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الزيادة التي حققتها بقية أندية الدوري، ما يمنح الأندية الأغنى قدرة أكبر على تقديم رواتب مرتفعة للاعبين إلى جانب فرص المنافسة المستمرة على البطولات.
القواعد المالية تعزز الهيمنة
ساهمت القواعد المالية لكرة القدم بدورها في تعزيز هذا الوضع، إذ تسمح للأندية الأعلى دخلاً بإنفاق مبالغ أكبر، بينما لم يؤد الانتقال إلى قاعدة نسبة تكلفة الفريق المرتبطة بإيرادات النادي إلى تحسين موقف الأندية الأقل ثراءً في سوق الانتقالات.
وسمح الدوري الإنجليزي لأنديته بإنفاق نسبة من الإيرادات تفوق قاعدة الـ70% المطبقة على الأندية المشاركة في البطولات الأوروبية، بهدف حماية التوازن التنافسي في المسابقة، لكن اتساع فجوة الإيرادات أبقى قدرة الأندية الكبرى على الإنفاق أعلى بكثير من منافسيها. كما تواجه الأندية الأقل ثراءً التي تحقق نتائج جيدة وتتأهل إلى البطولات الأوروبية قيود يويفا الأكثر صرامة.
وتفرض طريقة احتساب أرباح بيع اللاعبين في قواعد تكلفة الفريق بالدوري الإنجليزي، عبر توزيعها على ثلاث سنوات، ضغوطاً إضافية على حدود الإنفاق ما لم تتمكن الأندية من بيع اللاعبين بأرباح كبيرة بصورة مستمرة. وبينما تستطيع الأندية الأعلى دخلاً الإنفاق بقوة موسمًا بعد آخر، تمر بقية الفرق بدورات من الارتفاع والانخفاض في قدرتها المالية.
ودفع الاحتياج إلى البيع، إلى جانب قدرة الأندية الكبرى على تقديم رواتب أعلى وفرص منتظمة للمنافسة على الألقاب، إلى زيادة انتقال المواهب نحو قمة الهرم، حتى بالنسبة للأندية المدعومة بقوة من ملاكها والتي تحاول اقتحام دائرة الكبار. وأشار التقرير إلى أن أكبر ثلاثة أندية من حيث صافي المبيعات خلال الصيف الحالي، حتى وقت نشره، هي نيوكاسل وأستون فيلا ونوتنغهام فورست.
مخاوف من اختلال التوازن التنافسي
يثير هذا الاتجاه مخاوف تتعلق بالتوازن التنافسي في الدوري الإنجليزي، خصوصاً مع محدودية عدد الأندية القادرة فعلياً على المنافسة على اللقب. ورغم اعتبار البريميرليغ على نطاق واسع أقوى دوري محلي في العالم، فإن تنوع أبطاله يظل محدوداً مقارنة بالدوري الإيطالي، الذي شهد أربعة أبطال مختلفين خلال سبعة مواسم، بينما تتركز المنافسة في الدوري الإسباني غالباً بين فريقين مع نجاح أتلتيكو مدريد في كسر هذه الثنائية أحياناً، في حين شهد الدوريان الفرنسي والألماني هيمنة باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ مع استثناءات محدودة.
وتزداد صعوبة مهمة الأندية البائعة مع كل صفقة من نوع انتقال غيمارايش، إذ لا يضمن امتلاك الأموال القدرة على تعويض أفضل اللاعبين باستمرار، كما ترتفع مطالب الأندية الأخرى ماليًا عندما تعرف أن النادي البائع حصل للتو على مبالغ كبيرة.
وتقدم تجربتا ليستر سيتي وولفرهامبتون مثالاً على المخاطر المحتملة، إذ يأتيان، خلف برايتون، ضمن أكثر الأندية التي فقدت لاعبين لصالح “الستة الكبار” خلال العقد الأخير، بعدما رحل ستة لاعبين من كل منهما إلى الأندية الأغنى منذ 2017، قبل أن يهبط الفريقان في السنوات الأخيرة ويلعبا حاليًا خارج الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويطرح التاريخ في المقابل احتمال تغير الأدوار، إذ كان نيوكاسل نفسه خلال ستة مواسم من تسعينيات القرن الماضي أكثر الأندية استقطابًا للاعبين من الفرق الأقل ثراءً، بعدما ضم 12 لاعبًا منها، لكنه أصبح الآن بين أبرز الأندية التي تفقد نجومها.
ولا تظهر حتى الآن مؤشرات قوية على تغير هيكل القمة، بعدما حافظت الأندية الستة الأعلى دخلاً في إنجلترا على هويتها لما يقارب عقدين، مستفيدة من تفوق كبير في إيرادات أيام المباريات والعائدات التجارية، في وقت شهدت فيه كرة القدم الأوروبية عمومًا اتساع الفوارق المالية بين طبقات الأندية.
ويمنح التفوق المالي أندية القمة ميزة إضافية تتمثل في قدرتها على ترك الأندية الأخرى تتحمل مخاطر اكتشاف اللاعبين وتطويرهم ومنحهم فرصة إثبات أنفسهم في الدوري الإنجليزي، قبل التحرك لشرائهم بعد نجاحهم في المسابقة.
ويضع استمرار هذا الاتجاه سقفًا صعبًا أمام الأندية التي تتميز في الاستقطاب وتطوير المواهب، مثل برايتون، إذ يؤدي فقدان أفضل لاعبيها بصورة متكررة إلى صعوبة تحويل نجاحها في سوق الانتقالات إلى منافسة دائمة في قمة الترتيب، ليصبح احتلال المركز السادس أو السابع أقصى ما يمكن أن تصل إليه غالبية الأندية، بينما يمثل الوصول إلى المركز الرابع إنجازاً استثنائياً، وتبقى المنافسة على اللقب أبعد من ذلك بكثير، وفق تحليل “ذا أتلتيك”.



