الرئيسيةكتاب و آراءفي الأزمات: معيار الحق لا القوة...
كتاب و آراء

في الأزمات: معيار الحق لا القوة هو الفيصل بعد انقشاع الغبار

في خضم كل أزمة، لا ينقسم الناس بين مؤيد ومعارض فحسب، بل يحدث انقسام أعمق قبل ذلك: بين من يسعى إلى معرفة الحق، ومن يبحث عن الطرف الذي يبدو أكثر قوة. بعضهم لا يطرح السؤال الجوهري: أين الصواب؟ بل يسأل: أين المصلحة؟ ولا يهمه أن يكون موقفه عادلاً بقدر ما يهمه أن يكون آمنًا، ولو كان ذلك مؤقتًا.

مأزق الرهان على القوة الزائفة

وهنا تبدأ معضلة الرهان الخاطئ. فهناك من يعتقد أن القوة تكمن في الصوت الأعلى، أو في المنصب الأقرب، أو في القدرة على التأثير المؤقت، فيسرع إلى الاصطفاف حيث يظن أن الغلبة ستكون. لا يفعل ذلك عن قناعة، بل بدافع الخوف أو الطمع أو الرغبة في النجاة الفردية. وحين يختار الإنسان موقفه بهذه الطريقة، فإنه لا يراهن على الحق، بل يراهن على الغبار الذي أثارته المعركة.

خداع الغبار وحقيقة المواقف

والغبار بطبيعته يخدع العيون. قد يجعل الضعيف قويًا، والمخطئ منتصرًا، والمتردد حكيمًا، والصامت عاقلًا. لكنه لا يصنع حقيقة، ولا يمنح الباطل عمرًا طويلاً. فقد ينتصر الضجيج يومًا، وقد يتأخر الإنصاف زمنًا، وقد يجد صاحب الحق نفسه وحيدًا إلا من يقينه، لكن المواقف لا تُقاس بلحظة الارتباك، وإنما بما يبقى منها بعد انقشاع العاصفة.

الأزمات تكشف معادن الناس

أخطر ما في الأزمات أنها تكشف المعادن. فهناك من يحفظ لنفسه قدره ولو خسر مصلحة، وهناك من يبيع موقفه بثمن زهيد، ثم يكتشف لاحقًا أن المصلحة التي ربحها كانت أقل من الاحترام الذي فقده. والخذلان ليس دائمًا طعنة صريحة، بل أحيانًا يكون صمتًا في موضع الكلام، أو حيادًا حين يصبح الحياد مشاركة غير معلنة.

الميزان الأخلاقي الثابت

والحل ليس في الشجاعة المندفعة، ولا في الخصومة الدائمة، بل في ميزان أخلاقي ثابت: لا تقف مع من يبدو أقوى، بل مع من يبدو أصدق. لا تجعل خوفك مستشارك الوحيد. ولا تتخذ موقفًا اليوم تخجل من الدفاع عنه غدًا. فالمجتمعات لا تستقيم حين تكافئ المتلونين، بل حين تحمي من يقول الحق بأدب، ومن يختلف بشرف، ومن لا يبيع موقفه عند أول اختبار.

الغبار مهما ارتفع لا يبقى، ومهما طال لا يغلب النهار. وغدًا ينجلي الغبار لنرى أتحتك فرس أم حمار.

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *