الرئيسية›كتاب و آراء›الآباء: حين تُرجم المحبة في السعي...
كتاب و آراء

الآباء: حين تُرجم المحبة في السعي والقلق

26/09/2026 03:00

محبة لا تحتاج إلى كلام

كثيراً ما يظل ما يعتمل في صدر الأب حبيساً، فلا يقول كل ما يشعر به، ولا يجيد في الغالب ترجمة حنينه إلى عبارات مباشرة. غير أنه يعبّر عن ذلك يومياً عبر مسار مختلف يتشكل من سعيه وتعبِه وانشغاله، ومن سؤاله المتكرر الذي قد يبدو مبالغاً فيه أحياناً، ومن حرصه الذي قد يُقرأ شدةً. وخلف هذه الملامح الصلبة يختبئ قلب مرهف يخاف على أبنائه أكثر مما يخاف على نفسه.

نهر من النصح وجبل من الصبر

الأب في جوهره عطاء لا يعلن عن نفسه، ونبعٌ من النصح، وصخرٌ من الاحتمال. هو من يحمل شؤون أسرته دون أن يفردهم في كل مرة بتفاصيل المشقة، وينشغل بحاجاتهم وبما ينتظرهم مستقبلاً. يفرح بإنجازاتهم فرحه بإنجاز شخصي، ويتألم لما يصيبهم، وقد يكتم ألمه كي لا يضيف إلى همومهم عبئاً جديداً.

لذلك ينبغي ألا تدفعنا صرامة الأب في بعض اللحظات إلى أن نغترّ بها، ولا أن يزعجنا إلحاحه على النصح. فخلف كثرة كلماته تكمن خبرة سنوات يريد أن يوفر على أبنائه معرفة الطريق، وخلف تحذيره خشية عثرة عرف وقعها بنفسه، أو طريق أدرك وجهته قبل أن يبلغها الأبناء في رحلتهم. قد يُخطئ في بعض الآراء، وقد تكون الأزمنة والظروف مختلفة، لكن ذلك لا ينتقص من إخلاصه ولا من أهمية الإنصات إليه وتقدير ما حمله من تجارب.

أسئلة تصبح بعد حين أشكالاً من الحب

مع تقدم العمر، يتغير فهمنا لمواقف الأب. ندرك لماذا كان يسأل عن وجهتنا ومن يرافقنا وموعد عودتنا، ولماذا ظل يعيد الوصية نفسها، ولماذا أقلقته اختيارات بدت لنا في وقتها عادية. أشياء عشناها كأنها قيود، اكتشفنا لاحقاً أنها في أحيان كثيرة كانت سوراً يحوطنا بالحنان والرعاية.

استعادة مكانة الأب في عام الأسرة

وفي عام الأسرة، المؤمَّل أن يعيد كل واحد منا قيمة الأب إلى موقعها: أن نجعله يشعر أنه حاضر في وجدان أسرته، لا أن نكتفي بتقديم احتفاء شكلي بدوره. ذلك أن الأب يحتاج إلى من يصغي له ويقدّر ما بذله ويطمئن عليه كما طمأننا طوال سنين، ويبرّه كما ربّانا في الصغر، ويقترب منه قبل أن تنبّهنا الأيام إلى حجم ما كان يمنحه من غير كلام.

وإلى الآباء أنفسهم توجَّه هذه الرسالة: لا تجعلوا الحب يظل حبيس الصمت والصرامة، ولا تترددوا في إظهار المودة والميل إلى أبنائكم، والدنوّ منهم والاستماع إلى حديثهم. فالأبناء، بقدر حاجتهم إلى قوة أبيهم ودعمه، يحتاجون أيضاً إلى قلبه وكلماته ودفئه. ليبقَ الآباء لأبنائهم عوناً وقدوة، وليبقَ الأبناء لهم بررةً وذخراً.

يمكن للراغبين في مطالعة كتابات الكاتب السابقة النقر على اسمه. وما ورد في هذا المقال من آراء يعبّر عن كاتبه وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية ما يتضمنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *