كتاب و آراء

هل آن الأوان لعودة حصص المهارات الحياتية إلى الفصول الدراسية؟

هل آن الأوان لعودة حصص المهارات الحياتية إلى الفصول الدراسية؟

ما زالت في أذهان كثيرين منا ذكريات حصص دراسية لم تُنسَ رغم مرور السنوات؛ فالتدبير المنزلي كان بوابة لتعلم الطبخ، والخياطة درّبتنا على قياس الأقمشة وقصّها وإتقان الغرز. لم تكن تلك الحصص مجرد أنشطة ثانوية، بل خبرات تركت أثراً عميقاً في تكويننا، فكل مرة نُصلح فيها شيئاً بأيدينا بدل التخلص منه نستحضر قيمة ما تعلمناه في مراحلنا الأولى.

مفهوم أوسع من الطبخ والخياطة

لم يعد مفهوم المهارات الحياتية اليوم محصوراً في الطبخ والخياطة، إذ صار يشمل أساسيات السباكة والنجارة والزراعة، وتصنيع قطعة أثاث صغيرة، وإصلاح الخشب، وتعليق لوحة، فضلاً عن تنظيم الوقت والمال. ويمتد ليشمل إعادة الاستخدام والتدوير، كما تفعل مبادرة «نسيج» الإماراتية التي تمنح الملابس المستعملة حياة جديدة عوضاً عن رميها.

مكاسب تتجاوز الإنجاز اليدوي

غير أن القيمة الأكبر لهذه الحصص لا تقتصر على ما ينجزه الطالب بيديه، بل تمتد إلى ما يتشكل داخله؛ فحين يقيس ويخطط ويجرب ويخطئ ثم يعيد المحاولة، يكتسب الصبر والدقة ومهارة حل المشكلات، وتنمو لديه ثقة عملية في قدرته على الإنجاز. وعند العمل مع زملائه يتعلم التعاون وتقاسم المسؤولية وتقدير جهود الآخرين.

وتشير دراسات طولية بريطانية استعانت بها تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المهارات المكتسبة في الطفولة ترتبط بمسارات لاحقة تشمل التحصيل العلمي والعمل والدخل والصحة النفسية والرضا عن الحياة. ولهذا ينبغي النظر إلى هذه الحصص باعتبارها استثماراً تربوياً قائماً على المعرفة، لا مجرد حنين لتجربة مدرسية قديمة؛ فالمهارة اليدوية البسيطة تعيد تشكيل طريقة التفكير، إذ يتحول السؤال عند تلف شيء من «كيف أتخلص منه؟» إلى «كيف أصلحه؟»، وإذا غابت المعرفة يصبح البحث عنها وتعلمها بديلاً عن الاستسلام.

عقلية الإصلاح وبناء المستقبل

وقد تمتد هذه العقلية إلى نظرة الإنسان لعلاقاته الأسرية والاجتماعية والمهنية؛ فمن اعتاد فهم مواطن الخلل ومحاولة معالجته يكون أقرب إلى الحوار والصبر وتحمل المسؤولية، وأبعد عن التسرع في التخلي والإنهاء. والمقصود هنا ليس المساواة بين الأشياء والعلاقات، بل ترسيخ قيمة المثابرة ومنح ما يستحق فرصة واعية للإصلاح.

إن إعادة هذه الحصص إلى المناهج ليست رجوعاً إلى الماضي، بل استعداداً للمستقبل؛ فهي تسهم في بناء جيل أقل استهلاكاً وهدراً، وأكثر استقلالاً ومبادرة وارتباطاً بمجتمعه. جيل لا ينتظر الحلول الجاهزة، بل يثق بقدرته على التعلم والعمل وصناعة الحل.

فالمهارات الحياتية لا تعلّم الطفل كيف يصنع شيئاً فحسب، بل تعلّمه كيف يصنع نفسه ويصون علاقاته ويسهم بوعي ومسؤولية في بناء مجتمعه في مختلف مراحل حياته المقبلة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *