ما يميّز سطح حاملات الطائرات: فولاذ بحري وليس مجرد إسفلت

قد يخطو المتلقِّي للخبر أولاً إلى أن سطح حاملة الطائرات يشبه مدرجاً مغطّىً بالخرسانة أو الأسفلت، غير أن الواقع يختلف جذرياً. فهذه السطحية التي تنطلق منها المقاتلات وتعود إليها في بحرٍ عاتل، تُصنع من فولاذ بحري عالي الصلابة صُمم خصيصاً لتحمل وزن الطائرات الضخم، الحرارة الشديدة، والعمليات القتالية المتواصلة.
حاملات الطائرات: تعقيد بنية لا يضاهيه غيرها
تُعدّ حاملات الطائرات من أكثر المنصات البحرية تعقيداً على الإطلاق، إذ تحتضن مفاعلات نووية، أنظمة إطلاق واسترجاع للطائرات، بالإضافة إلى طواقم تتجاوز أعداد الآلاف. وعلى الرغم من هذا التعقيد، يبقى سطح الطيران العنصر الأساسي، فهو بمثابة المدرج الذي تُجرى عليه كل عمليات الإقلاع والهبوط في عرض البحر.
من الخشب إلى الفولاذ المدرع
في البدايات الأولى لتطور هذه السفن، كان السطح يتكوّن من ألواح خشبية مثبتة على هيكل فولاذي. ومع تصاعد حدة الحروب وتطور الطائرات الحربية، لم يعد الخشب قادراً على استيعاب الضغوط الهائلة، فانتقل المصممون إلى استعمال فولاذ مدرّع منذ فترة الحرب العالمية الثانية.
لم يقتصر الهدف من تبني الفولاذ على زيادة الصلابة فحسب، بل شمل دمجه كجزء أساسي من الهيكل الإنشائي للسفينة، ما أضفى عليها قدرة أكبر على مقاومة الضربات والانفجارات. كذلك يوفّر السطح الفولاذي حماية للطائرات المخزّنة داخل حظيرة السفينة أدناه في حال تعرضها لهجوم.
تظل سماكة الألواح الفولاذية من أسرار عسكرية حساسة، إلا أن ما يُعرف هو أنها تُصمم لتتحمل هبوط المقاتلات بقوة، والجهد المستمر الناجم عن عمليات الطيران المتواصلة.
ظروف تشغيل لا ترحم السطح
يواجه سطح حاملة الطائرات يوماً بعد يوم بيئات قاسية لا يمكن مقارنتها بأية منشأة أخرى. فهو يتحمل حرارة عوادم محركات الطائرات النفاثة، والاحتكاك الناتج عن إطارات الطائرات عند الهبوط، والصدمات المتكررة من أسلاك الإيقاف، إلى جانب التعرض للوقود، السوائل الهيدروليكية، رذاذ مياه البحر، والرياح العاتية مع الأمواج.
لهذا لا يُترك الفولاذ مكشوفاً؛ بل يُغطّى بطبقة خاصة مضادة للانزلاق، صممت لتقاوم الحرارة والتآكل. وتكمن أهمية هذه الطبقة ليس فقط في حمايته للسطح، بل أيضاً في توفير احتكاك كافٍ يمنع انزلاق الطائرات ومعدات الخدمة وأفراد الطاقم أثناء تنفيذ المهام، لا سيما في ظروف جوية صعبة.
صيانة دورية لضمان الأداء
مع مرور الوقت، تتعرض الطبقة الواقية للتآكل نتيجة الاستخدام المكثف، ما يستلزم تجديدها بانتظام. يعتمد عمر هذه الطبقة على نوع المادة المستعملة وكثافة العمليات التي يخضع لها السطح.
في عام 2025، خضعت الحاملة الأمريكية “USS Gerald R. Ford” لأول عملية استبدال شاملة للطلاء المانع للانزلاق منذ بدء خدمتها في 2017. استغرقت هذه العملية حوالي ثلاثة أسابيع، بهدف الحفاظ على أعلى مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية، وفقاً لما أوردته منصة “slashgear”.
ولا يقتصر استعمال هذا النوع من الطلاء المتخصص على حاملات الطائرات فحسب، بل يُطبّق أيضاً على عدد من السفن العسكرية الأخرى، بينما تواصل القوات البحرية البحث عن مواد أكثر صلابة وسرعة في التطبيق لتقليل فترات الصيانة.



