مباراة الولايات المتحدة والبوسنة في مونديال 2026: عندما تلتقي الرياضة بالتاريخ

السياق التاريخي للمواجهة
لن تكون مواجهة الولايات المتحدة والبوسنة والهرسك في دور الـ16 من كأس العالم 2026 مجرد مباراة تستمر 90 أو 120 دقيقة، بل تمثل إرثاً سياسياً وتاريخياً يمتد لنحو ثلاثين عاماً، وقد باتت تعرف إعلامياً باسم «مباراة دايتون» إشارة إلى اتفاقية السلام التي وقعت عام 1995 في مدينة دايتون بولاية أوهايو، والتي أنهت الحرب البوسنية وأسست للبوسنة والهرسك بصيغتها الحالية.
تعود جذور هذه المواجهة إلى الحرب التي شهدتها البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995، والتي أسفرت عن مقتل نحو مئة ألف شخص وتهجير مئات الآلاف، وشهدت واحدة من أبشع الجرائم في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وفي يوليو 1995 حدثت مذبحة سريبرينيتسا التي قتل خلالها نحو ثمانية آلاف رجل وفتى بوسني من المسلمين، ما شكّل نقطة تحول دفعت الولايات المتحدة إلى قيادة عملية «القوة المتعمدة»، أكبر عملية نفّذها حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه، مستهدفة مواقع صرب البوسنة وتمهيداً لاتفاقية دايتون.
الأبعاد الرياضية والدبلوماسية
ويجمع اللقاء بين المنتخب الأمريكي الذي يسعى بقيادة مدربه ماوريسيو بوتشيتينو إلى تعزيز مكانة كرة القدم في الولايات المتحدة والمنافسة على اللقب العالمي، ومنتخب البوسنة والهرسك الذي يخوض اللقاء مدفوعاً بتاريخ طويل من المعاناة والإصرار بعد نهوضه من آثار الحرب وتحقيق أول إنجازاته على الساحة العالمية.
وترى صحيفة «لاغازيتا ديلو سبورت» أن المباراة تحمل بعداً خاصاً للبوسنيين الذين يجدون صعوبة في فصل كرة القدم عن الذاكرة الوطنية، خصوصاً أن الولايات المتحدة أصبحت موطناً لإحدى أكبر الجاليات البوسنية في العالم؛ فقد استقبلت tens of thousands من اللاجئين بعد حرب التسعينيات، ويعيش فيها اليوم أكثر من 350 ألف بوسني، وتضم مدينة سانت لويس وحدها أكبر جالية بوسنية خارج أوروبا، ما أكسبها لقب «البوسنة الصغيرة».
ومن المنتظر أن يتدفق أعداد كبيرة من أبناء الجالية إلى ملعب ليفاي في سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا لمؤازرة منتخبهم في لقاء تتجاوز دلالاته حدود المستطيل الأخضر.
ردود الفعل والجالية
وبالنسبة للعديد من البوسنيين مثلت الولايات المتحدة في ذلك الحين رمزاً للخلاص، رغم ما تفرضه اتفاقية دايتون من تعقيدات سياسية ما زالت تعرقل الإصلاحات حتى الوقت الراهن.
ولا تزال آثار تلك المرحلة واضحة في الرموز الوطنية؛ فالبوسن الحالية صُممت بالأزرق والأصفر والنجوم الأوروبية لتكون محايدة ولا تنحاز لأي من المكونات الثلاثة للبلاد (البوشناق، الصرب، الكروات). بالمقابل يرفع كثير من المتابعين علم البوسنة المستقلة لعام 1992 الذي يحمل الزنابق الذهبية، معتبرين إياه رسالة سياسية تعكس رفض جزء من الشارع البوسني لمسار البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية وانتقاداً لما يرونه تراجعاً في اهتمام المجتمع الدولي بقضيتهم.
وقبل المباراة أثارت إحدى صحفيات شبكة «إيه بي سي» الأمريكية جدلاً واسعاً بعد admitting أنها لا تعرف موقع البوسنة على الخريطة ووصف المباراة بأنها ستكون سهلة للولايات المتحدة، ما أدى إلى موجة انتقادات حادة من الجالية البوسنية على منصات التواصل الاجتماعي التي اتهمت القناة بالغطرسة والتعامل السطحي مع منتخب يحمل قصة وطن خرج من الحرب وما زال يبحث عن ترسيخ هويته.
وبهذا يدخل المنتخبان واحدة من أكثر مباريات كأس العالم 2026 خصوصية، حيث تمتزج المنافسة الرياضية بذاكرة الحرب والسياسة والهجرة، في لقاء تتجاوز نتائجه حدود كرة القدم بالنسبة لكثير من البوسنيين.



