الرئيسيةعربي و عالميمنزل بيير لوتي في روشفور.. شاهد...
عربي و عالمي

منزل بيير لوتي في روشفور.. شاهد أوروبي على الفنون العثمانية

01/08/2026 10:26

منزل يحاكي الشرق في قلب فرنسا

من الخارج، لا يوحي المنزل الواقع في أحد أزقة مدينة روشفور الفرنسية بما يخفيه خلف جدرانه. فبمجرد دخوله، ينغمس الزائر في أجواء إسطنبول العثمانية، حيث تزين الخزفيات الإزنيقية والكتابات العربية والأسقف الخشبية الأرجاء، ويتوسطها صالون تركي وقاعة تحمل اسم “المسجد”.

هذا المنزل هو للروائي والرحالة والضابط البحري الفرنسي بيير لوتي، الذي عُرف بشغفه العميق بالشرق وخاصة الإمبراطورية العثمانية. وقد تجسد هذا الولع في تصميم الغرف والقاعات المستوحاة من رحلاته، ليجعل من منزله أحد أبرز المعالم الأوروبية التي تعكس تأثير الفنون والعمارة التركية والإسلامية.

بيير لوتي: من البحرية إلى الأدب والعشق الشرقي

وُلد بيير لوتي، واسمه الحقيقي لويس ماري جوليان فيو، في روشفور في 14 يناير/كانون الثاني 1850. وبعد وفاة شقيقه الأكبر غوستاف، التحق عام 1867 بالمدرسة البحرية الفرنسية، مما أتاح له السفر حول العالم، وأصبحت رحلاته المصدر الرئيسي لإبداعه الأدبي وتصميم منزله الفريد.

اشتهر لوتي بروايته “أزياده”، المستوحاة من قصة حبه لامرأة شركسية تعرف إليها خلال إقامته في إسطنبول أواخر القرن التاسع عشر، وهي الرواية التي كرست ارتباطه العاطفي والثقافي بالمدينة العثمانية.

وبالاستفادة من مقتنياته التي جمعها خلال أسفاره، أعاد لوتي تشكيل منزله العائلي ليصبح عالماً مصغراً يجمع ثقافات متعددة. فإلى جانب الباغودا اليابانية والقاعة القوطية وصالون عصر النهضة، يضم المنزل صالوناً تركياً وغرفة عربية وقاعة “المسجد”، التي تتوسطها عناصر معمارية وزخرفية مستوحاة من العمارة الإسلامية.

تتزين جدران قاعة “المسجد” بخزفيات جُمعت من بلدان مختلفة، وتبرز بينها قطع من خزف إزنيق العثماني المعروف بزخارف القرنفل وزهور التوليب ولونه الأحمر المميز المعروف باسم “أحمر الطماطم”. كما تضم القاعة كتابات عربية وسقفاً خشبياً وحوامل للمصاحف وصناديق جنائزية رمزية، ولوحة لـ”أزياده” ونسخة مطابقة لشاهد قبرها.

رحلة ترميم استمرت 13 عاماً

توفي بيير لوتي في مدينة أنداي الفرنسية في 10 يونيو/حزيران 1923، وأُطلق اسمه لاحقاً على المدرسة التي درس فيها وأحد شوارع روشفور. وتحول منزله إلى متحف عام 1973، بعد أن اشترته بلدية روشفور عام 1969 من صمويل، الابن الوحيد للروائي.

بين عامي 2012 و2025، خضع المنزل لعملية ترميم شاملة أعادت إليه مظهره الأصلي. وفي حديث للأناضول، قال أمين متاحف روشفور، كلود ستيفاني، إن المنزل الحالي نتج عن دمج منزل ميلاد بيير لوتي بالمنزل المجاور، الذي اشتراه الروائي عام 1895. وأوضح أن لوتي بدأ منذ سبعينيات القرن التاسع عشر إعادة تشكيل المنزل، وكان أول تغيير كبير هو إنشاء الصالون التركي عقب عودته من أول زيارة مطولة إلى إسطنبول.

وأضاف ستيفاني أن صمويل واصل العيش في المنزل بعد وفاة والده، قبل أن يبيعه عام 1969 مع معظم محتوياته إلى بلدية روشفور، التي اتخذت هذه الخطوة تمهيداً لتحويله إلى متحف افتتح عام 1973. وأفاد بأن المنزل استقبل الزوار حتى عام 2012، ثم أُغلق بعدما تدهورت حالته الإنشائية وبات بحاجة إلى ترميم واسع.

وأوضح أن مشروع الترميم واجه تحديات كبيرة منذ البداية، إذ اضطرت الفرق المشرفة إلى وقفه عام 2013 بسبب نقص التمويل. وأضاف أنه خلال أعمال الصيانة، اكتُشف انهيار جزء من سقف قاعة “المسجد” بعد أن أتلفت حشرات تنخر الخشب أجزاء من هيكله. وقال إن هذا الاكتشاف دفع القائمين على المشروع إلى الانضمام لبرنامج “يانصيب التراث” الذي تنظمه مؤسسة التراث الفرنسية لتأمين التمويل اللازم.

وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زار المنزل في يونيو/حزيران 2018، وأكد ضرورة إنقاذه. وذكر أن الدولة الفرنسية تولت تمويل نصف تكلفة المشروع، بينما تكفلت السلطات المحلية بتغطية الجزء المتبقي. وأوضح أن التكلفة الإجمالية تجاوزت 13 مليون يورو، في حين لم تتحمل بلدية روشفور سوى نحو 3.5 ملايين يورو.

ولفت إلى أن جائحة كورونا تسببت في تعليق المشروع لفترة، ثم كشفت الأعمال اللاحقة هشاشة أساسات المبنى، مما استدعى تنفيذ حفريات عميقة وتدعيم الأساسات بالخرسانة لضمان سلامته. وأضاف ستيفاني أن المنزل أعيد افتتاحه أمام الزوار العام الماضي بعد استكمال مشروع وصفه بأنه بالغ التعقيد، قائلاً: “نجحنا في إعادة المنزل، قدر الإمكان، إلى الهيئة التي كان عليها عند وفاة بيير لوتي عام 1923”.

قاعة “المسجد”.. ذاكرة إسطنبول

وأوضح ستيفاني أن الواجهة الخارجية البسيطة للمنزل لا تعكس طبيعة تصميمه الداخلي، الذي يضم قاعات مستوحاة من ثقافات متعددة. وقال إن الزائر ينتقل بمجرد دخوله إلى فضاءات تشمل الباغودا اليابانية، والصالون التركي، والغرفة العربية، وقاعة “المسجد”، والغرفة الصينية، ثم القاعة القوطية وقاعة عصر النهضة.

وأضاف أن لوتي كان يحرص بعد كل رحلة على إعادة إنشاء الأماكن التي تركت أثراً في نفسه داخل منزله، وأشار إلى أن قاعة “المسجد” والغرفة العربية تمثلان أبرز الأمثلة على هذا التوجه. وأوضح أن قاعة “المسجد” تمثل إعادة تصور للغرفة التي كان يقيم فيها لوتي بمنطقة أيوب في إسطنبول.

وأضاف أن تصميم الغرفة العربية استُلهم من مسجد ريفي صغير في منطقة المغرب العربي، وأن الكاتب أراد من هذين الفضاءين إبهار أصدقائه واستحضار ذكرياته. وأشار إلى أن القاعة تضم جزءاً منخفضاً في وسطها مستوحى من قصور دمشق. وأفاد بأن سقفها الخشبي يعود إلى القرن الثامن عشر، وقد اشتراه لوتي خلال زيارته إلى سوريا في تسعينيات القرن التاسع عشر، ثم بنى تصميم الغرفة بالكامل انطلاقاً منه.

وأوضح أن القاعة تضم أيضاً أعمدة حلزونية جُلبت من الجزائر، إلى جانب مجموعة مميزة من الخزفيات السورية والعثمانية القادمة من إزنيق التركية. وقال ستيفاني إن قاعة “المسجد” كانت بالنسبة إلى لوتي مساحة يستعيد فيها ذكريات شبابه في حي أيوب بإسطنبول، حيث تعرف إلى الفتاة التي ألهمته كتابة رواية “أزياده”.

وأضاف أن الكاتب عاد إلى إسطنبول عام 1887، فعثر على قبر أزياده وأشرف على ترميمه، ثم صنع في مطلع القرن العشرين نسخة مطابقة لشاهد قبرها، وضعها داخل القاعة إلى جانب صورتها، ليبقى على صلة رمزية بالمرأة التي شكلت إحدى أبرز محطات حياته الأدبية.

وأكد أن القاعة لا تؤدي وظيفة دينية، وإنما صممها لوتي لتكون فضاء يستحضر فيه إسطنبول التي أحبها وزارها مرات عديدة، مضيفاً أن المنزل يضم مقتنيات كثيرة من تركيا، من بينها سجادة زرقاء كبيرة أهداها وفد تركي إليه خلال زيارته في روشفور عام 1922 عندما كان يعاني المرض.

واختتم ستيفاني حديثه بالتأكيد على أن المنزل، بعد أكثر من مئة عام على وفاة بيير لوتي، لا يزال يحتفظ بملامح الشرق التي حملها من رحلاته، ليشكل أحد أبرز الشواهد الأوروبية على حضور العمارة والفنون العثمانية والإسلامية خارج موطنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *