الرئيسيةعربي و عالميالسردية بين أداة تحليلية وملاذ لغوي:...
عربي و عالمي

السردية بين أداة تحليلية وملاذ لغوي: هل فقدت معناها الأصلي؟

08/06/2026 21:00

في الآونة الأخيرة برزت كلمة «السردية» بصورة ملحوظة، لتتجاوز حدودها الأكاديمية والقانونية وتدخل حيز الإعلام ومنصات التواصل والتحليلات السياسية. سرعان ما أصبحت جزءًا من معظم النقاشات، سواء في ميادين السياسة والحروب أو الرياضة والاقتصاد والثقافة، وحتى في الخلافات اليومية.

وظيفة الكلمة ومخاطر الإفراط

يثير هذا الانتشار سؤالًا مشروعًا: هل لا تزال الكلمة تؤدي دورها المعرفي، أم أن كثرة استعمالها قد فرغتها من معناها وحولتها إلى رد جاهز لكل موضوع؟ لا تكمن المشكلة في المصطلح ذاته، إذ يُعرف في الدراسات الإعلامية وتحليل الخطاب والعلوم السياسية كإطار تفسيري يُقدَّم من خلاله الحدث أو القضية. إلا أن تحويله من أداة تحليل دقيقة إلى “مفتاح سحري” لتفسير كل شيء يحمل مخاطر معرفية لا تقل عن جهل المفهوم الأصلي.

أصول المصطلح وتطوره

من المهم الإشارة إلى أن كلمة «السردية» ليست حديثة العهد، ولا نشأت من منصات التواصل الحديثة كما يظن البعض. جذورها تعود إلى مفهوم «السرد» العربي القديم المتعلق بالحكي وترتيب الوقائع. ظهرت صيغتها المعاصرة أولاً في الدراسات الأدبية والنقدية الغربية، خاصة مع تطور نظريات السرد وتحليل الخطاب خلال القرن العشرين، ثم انتقلت إلى ميادين القانون والإعلام والسياسة والعلاقات الدولية.

تمدد الدلالة وتعدد الاستخدامات

إن انتقال المصطلح من بيئته الأكاديمية إلى التداول العام أتاح له مجالًا للتمدد الدلالي، فأصبح يُستَخدم أحيانًا خارج حدوده العلمية. وهذا ما يفسّر جزءًا من الجدل القائم حوله اليوم. نقرأ الآن عبارات مثل: “السردية الغربية”، “السردية المضادة”، “السردية الإعلامية”، “السردية الرقمية”، “السردية الوطنية”، “السردية الشعبية”، “سردية الضحية”، “سردية البطل”، بل وأحيانًا يختصر أي رأي مخالف بعبارة واحدة: “هذه مجرد سردية”.

تكمن الإشكالية حينما يتمدد المصطلح بلا ضوابط، فيفقد حدوده العلمية ويتحول من أداة تفسير إلى تعبير إنشائي فضفاض.

الأبعاد القانونية والفكرية

من الناحية القانونية والفكرية، فإن تضخم المصطلحات ليس أمرًا بسيطًا؛ فالقانون يبني على التحديد والدقة. لا تُصاغ الأنظمة على أساس ألفاظ مطاطة، بل على تعريفات واضحة وأوصاف محددة تفصل بين المفاهيم. لذا تتجنب النصوص النظامية والقضائية العبارات القابلة للتأويل غير المنضبط، لأن الاتساع المفرط يفتح المجال لسوء الفهم واختلاف التطبيق.

إذا طُبق هذا المبدأ على الاستخدام الإعلامي لكلمة «السردية»، يتضح أن المشكلة تبدأ عندما تصبح الكلمة بديلاً عن التحليل بدلاً من أن تكون جزءًا منه. ففي بعض الأحيان يُستَبدَل فحص الوقائع والأدلة والمصالح والظروف التاريخية بوصف الحدث بأنه “صراع سرديات”، وكأن المصطلح وحده يكفي لتفسير التعقيد الإنساني والسياسي.

إن الإفراط في استعمال المصطلح قد يؤدي إلى تسطيح النقاش العام، فالقضايا الكبيرة لا تختزل دائمًا في روايات متنافسة؛ فبعض الوقائع تحكمها الأدلة، وبعض النزاعات تحكمها القوانين، وبعض الجرائم تثبتها القرائن والإثباتات، لا مجرد سرد.

تأثير الاستخدام المفرط على اللغة

من الجانب اللغوي، تشير بعض الدراسات إلى ظاهرة “الإنهاك الدلالي” عندما يتكرر لفظ ما بصورة مفرطة، فيفقد جزءًا من قوته. وقد شهدت مصطلحات عديدة تاريخيًا هذا التحول من قوة عميقة إلى تعبير مستهلك يُردد دون تدقيق.

وفي مثال طريف، إذا انتقل النقاش إلى مائدة إفطار طائفية، قد يتحول الحديث إلى “سردية الفول” مقابل “سردية الحمص”، حيث تُمنح كل وجبة رواية خاصة تفوق قيمتها الغذائية لتصل إلى أبعاد الهوية والذاكرة والانتماء، ثم يتشبث كل طرف بخياره كامتداد للموروث التاريخي.

يتضح إذًا أن الإشكال لا يكمن في المصطلح ذاته ولا في قيمته التحليلية عندما يُستَخدم في موضعه الصحيح، بل في التوسع المفرط الذي يحوله من أداة للفهم إلى قالب جاهز تُصَب فيه جميع الظواهر والقضايا، فيصبح تفسيرًا سهلًا لكل شيء وعدسة وحيدة تُنظر من خلالها إلى العالم.

يستند بعض المدافعين عن انتشار المصطلح إلى فكرة أن اللغة تتطور، وأن رفض المصطلحات الجديدة يشبه مقاومة التحول الطبيعي للغة. وهذه الحجة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي وحدها. فالتطور اللغوي لا يتحقق بمجرد انتشار اللفظ، بل بقدرته على الحفاظ على دقته ووظيفته.

إذا أخذنا هذا المعيار على محمل الجد، يتضح أن السؤال ليس ما إذا كان “السردية” مصطلحًا مشروعًا، بل ما إذا كان ما يزال يُستَخدم في موضعه الصحيح. الاختلاف بين الحالتين كبير؛ فالنقد الموجه لا يهدف إلى إلغاء المصطلح، بل إلى منع تحوله إلى ملاذ لغوي يخفف من حدة التحليل.

في بعض الأحيان، قد يتحول المقال الذي ينتقد التبسيط إلى تبسيط بحد ذاته، عندما يجعل العالم كله معركة سرديات متجاهلة أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح والاقتصاد والقانون الدولي والقدرات العسكرية والاتفاقات والتحالفات.

الحروب الحديثة، رغم بعد إعلامي ونفسي واضح، لا يمكن اختزالها في “صناعة السردية” فقط؛ فالتاريخ يثبت أن الوقائع الميدانية كثيرًا ما تهزم الروايات، وأن النتائج العملية تفوق في كثير من الأحيان الأدوات الرمزية.

الدفاع عن المصطلحات الجديدة حق مشروع، لكن الأهم هو الدفاع عن الدقة. المشكلة ليست في انتشار كلمة “السردية”، بل في أن الانتشار قد يحمل في طياته إضعافًا إذا لم يُضبط.

المجتمعات الفكرية لا تحتاج إلى سخرية من كل جديد، ولا إلى احتفاء غير مشروط بكل مصطلح يطرأ. الطريق المتوازن هو النقد المنهجي: نرحب بالمفهوم عندما يضيف معنى، ونعيقه عندما يتحول إلى قشرة لغوية فارغة.

في النهاية، تظل كلمة “السردية” ذات قيمة معرفية معتبرة عندما تُستَخدم في السياق العلمي والإعلامي المناسب، لكنها تفقد جزءًا من هذه القيمة كلما استُخدمت كإجابة جاهزة على كل موضوع أو كمفتاح شامل يفسر كل حدث. اللغة لا تموت بالسخرية، لكنها قد تضعف بالإفراط؛ والمصطلحات لا تفقد قيمتها بالاختلاف حولها، بل عندما تتحول من أدوات للفهم إلى شعارات استهلاكية.

السؤال الأجدر اليوم ليس ما إذا كنا نفهم “السردية” أم نسخر منها، بل ما إذا كنا ما زلنا نستخدم المصطلح لفهم الواقع، أم استبدلناه ببديل عن الفهم يقتصر على الترديد والتقليد بلا عمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *