كأس العالم 2026 يطرح نموذجاً مبتكراً للاستدامة في الملاعب

يستند تنظيم بطولة كأس العالم التي ستُقام عام 2026 إلى نهج جديد يركز على استدامة المنشآت الرياضية، حيث اختارت الدول المستضيفة—الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك—الاعتماد على مرافق موجودة مسبقاً مع إدخال تعديلات مؤقتة، عوضاً عن بناء صالات جديدة خصيصاً للحدث.
إعادة توظيف البنية التحتية القائمة
يمثل هذا الاختيار تحولاً جوهرياً في طريقة إقامة الفعاليات الضخمة، إذ يهدف إلى تقليص الاعتماد على مشاريع إنشائية واسعة النطاق وتحقيق توازن بين متطلبات البطولة واحتياجات الاستخدام المستدام للملاعب بعد انتهاء المنافسات.
أمثلة على الملاعب المستعملة
من بين الصالات التي ستستضيف مباريات البطولة، يبرز ملعب “سوفاي” في لوس أنجلوس كأحدثٍ منها، إذ افتُتح عام 2020 لخدمة دوري كرة القدم الأمريكية بتكلفة تقارب 5 مليارات دولار، قبل أن يُدرج ضمن قائمة الملاعب المستخدمة في مونديال 2026.
اعتمدت الولايات المتحدة على أحد عشر مضماراً صُممت أصلاً لكرة القدم الأمريكية، حيث أُجريت عليها تعديلات مؤقتة لتتماشى مع معايير الفيفا، مع نية إعادة استخدامها للغرض الأصلي عقب انتهاء البطولة.
شملت هذه التحسينات إزالة مقاعد بصورة مؤقتة في صالات مثل “أروهيد” و”أتلاتيكو” لتوفير السعة المطلوبة، بالإضافة إلى تركيب أرضيات عشبية طبيعية مؤقتة مدعومة بأنظمة ري وإضاءة حديثة فوق الأسطح القائمة.
المكسيك وكندا تستفيدان من التراث الرياضي
استفادت المكسيك من صالات تاريخية مثل ملعب “أزتيكا” الذي شهد تجديدات شملت تحسين مقاعد الشخصيات الهامة وتحديث الأنظمة الرقمية والإضاءة، مع الحفاظ على طابعه المعماري الأصلي.
أما كندا فاعتمدت على صالتين قائمتين هما “بي إم أو فيلد” في تورونتو وملعب “كولومبيا البريطانية” في فانكوفر، لتستضيف جزءاً من مباريات البطولة.
رؤية جديدة لتقليل الهدر بعد الفعاليات
يختلف هذا النموذج عن النسخ السابقة التي استلزمت بناء ملاعب جديدة بالكامل، حيث يسعى الفيفا إلى الحد من المخاطر المرتبطة بالمنشآت التي تفقد قيمتها الاقتصادية بعد انتهاء الأحداث الكبرى، مع التركيز على استغلال الأصول القائمة.
أكد جيف كيز، قائد قطاع الفعاليات العالمية في شركة “بوبولوس” التي شاركت في تعديل خمسة من صالات البطولة الـ16، أن التركيز لا ينبغي أن يقتصر على تكلفة الإنشاء فقط، بل يجب أن يشمل تكلفة التشغيل والصيانة على مدار العقود المقبلة.
خلال قمة “وورلد فوتبول ساميت” في مكسيكو سيتي، أوضح كيز أن الجزء الأكبر من نفقات الصالات يتجسد بعد افتتاحها، من خلال الصيانة، الديون، الخدمات، والرواتب، مضيفاً أن بناء منشآت تتماشى مع احتياجات المدن بعد انتهاء الفعاليات هو الأمر الأساسي.
تستند الفكرة إلى مفهوم “الحجم المناسب”؛ أي تصميم صالات تلبي المتطلبات الدائمة مع إمكانية توسيع السعة مؤقتاً أثناء البطولة، بدلاً من الاحتفاظ بمدرجات ضخمة لا تُستَخدم لفترات طويلة.
تُضاف مدرجات ومرافق مؤقتة يمكن تفكيكها وإعادة توظيفها بعد انتهاء الحدث، ما يسمح باستيعاب الجماهير خلال البطولة دون أن تُثقل كاهل المدن بتكاليف تشغيل مرتفعة في المستقبل.
توجه عالمي نحو الاستدامة
ليس كأس العالم هو الوحيد الذي يتبنى هذا المسار؛ فقد شهدت دورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012 استعمال منشآت مؤقتة، واعتمدت باريس 2024 على أغلب المواقع القائمة، بينما لن تتطلب لوس أنجلوس 2028 بناء مرافق أولمبية جديدة.
يُنظر إلى مونديال 2026 كنموذج مختلف في إدارة البنية التحتية الرياضية، إذ يُحوِّل الصالات إلى منشآت تعمل على مدار العام عبر دمج مناطق تجارية وترفيهية ومرافق متعددة الاستخدامات، بعيداً عن الاعتماد الحصري على الفعاليات الرياضية.
وبإقامة 104 مباريات في ثلاث دول باستخدام صالات قائمة، قد يضع هذا النموذج معياراً جديداً لتنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى، ما قد يدفع المدن الطامحة لاستضافة بطولات مستقبلية إلى إعادة تقييم جدوى بناء منشآت من الصفر.



