عربي و عالمي

أمريكي عاد إلى دمشق بعد 10 سنوات من الإفراج عنه لجمع أدلة ضد معذبيه

أمريكي عاد إلى دمشق بعد 10 سنوات من الإفراج عنه لجمع أدلة ضد معذبيه

عاد المواطن الأمريكي كيفن باتريك دوز إلى دمشق بعد نحو عشرة أعوام من الإفراج عنه من سجون نظام بشار الأسد، في محاولة لجمع أدلة تساعد في محاسبة المسؤولين عن تعذيبه والانتهاكات التي شهدها داخل المعتقل.

أهداف العودة إلى سوريا

وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأناضول، قال دوز إنه عاد في أكتوبر 2026 لرؤية سجنه القديم بعد سقوط نظام الأسد (2000-2024). وأضاف: “أبحث عن أدلة للعثور على من ارتكبوا كل تلك الأفعال المروعة داخل السجن وتقديمهم للمحاكمة”. وأوضح أن زيارته تهدف أيضاً إلى المساعدة في تحديد هويات ضحايا دفنوا في مقابر جماعية، والعمل على إعادة رفاتهم إلى عائلاتهم.

تفاصيل الاعتقال والتعذيب

بدأ نظام بشار الأسد آنذاك في عام 2011 قمع احتجاجات شعبية مناهضة له كانت تطالب بتداول سلمي للسلطة. وقال دوز إنه دخل سوريا في عام 2012 حاملاً شحنة مستلزمات طبية، وكانت نيته إيصالها إلى مناطق القتال لتخفيف معاناة الشعب السوري في ظل ما كان يواجهه من النظام. وأضاف أن قوات النظام أوقفته في 3 أكتوبر 2012 بعد وقت قصير من عبوره الحدود، ونقلته إلى مركز احتجاز حيث بقي نحو ثلاث سنوات ونصف، ويعتقد أنه احتجز في الفرع 248 بدمشق.

وتعرض دوز للإغراق والضرب والتشويه، وفقد جزءاً كبيراً من قدمه اليمنى، وما زال يواجه صعوبة في المشي. وأصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الكلام لفترة، ولا يزال يعاني نوبات من الحبسة الكلامية عند التعرض للضغط. وقال: “أخذوا مني جميع البطانيات، ووضعوني في زنزانة شديدة البرودة، وقيدوني بسلاسل إلى القضبان لمدة أسبوع وربما أكثر”. وشمل التعذيب الضرب المتكرر على القدمين والحرمان من الطعام، فانخفض وزنه إلى نحو 36 كيلوغراماً. وأضاف: “كانوا يجوعونني، كان الطعام قليلاً ثم تناقص تدريجياً، وكنت أحصل أحياناً على خبز سبق لشخص آخر أن أكل جزءاً منه”. وكان يسرق الطعام من القمامة في الحمام، خصوصاً ما كان الحراس يتركونه بعد تناول وجباتهم.

مشاهد مروعة لطفلين

ومن بين المشاهد التي لا تزال تطارده، قال دوز: “عذبوا طفلين حتى الموت أمام عيني، كانا ربما في الثامنة أو العاشرة”. وأضاف أن أحدهما كان يستيقظ صارخاً وباكياً، معتقداً أنه يحلم بأنه في منزله، وعندما يستيقظ ويكتشف أنه داخل السجن يبدأ بالصراخ. وأوضح أن أحد الحراس كان يتعامل مع الطفل بطريقة توحي باللطف، حيث كانوا يلعبون معه ويكلفونه بأعمال صغيرة ليكسبوا ثقته، ثم يخرجونه في اليوم التالي من زنزانته ويعذبونه مجدداً. وتوقف دوز عن سماع صوت الطفل في ديسمبر 2013، وظن في البداية أنه أفرج عنه، لكنه علم بعد إطلاق سراحه، عندما اطلع على الصور المعروفة باسم “صور قيصر” التي توثق جثث معتقلين بسجون النظام السابق، أن الطفل قتل بعدما تعرض للتجويع والتعذيب. وأضاف: “علمت أنه جوع حتى أصبح هيكلاً عظمياً، وأن عينيه أحرقتا”. وشدد دوز على أن مئات، إن لم يكن آلاف السوريين، مروا عبر تلك الممرات والبوابات من المعتقل إلى قبورهم، وأن أعداد الجثث بلغت حداً دفع القائمين على المعتقل إلى تكديسها داخل أكياس على سطح أحد المباني.

علاقته بالطبيب البريطاني عباس خان

وكشف دوز عن علاقته بالطبيب البريطاني عباس خان، الذي قتل بأحد معتقلات دمشق في ديسمبر 2013. وكان خان جراح عظام اعتقلته أجهزة نظام الأسد في نوفمبر 2012 أثناء تطوعه لعلاج الجرحى بمدينة حلب شمالاً. وقال دوز إن عباس كان محتجزاً في زنزانة قريبة من زنزانته، وإنهما تواصلا بالصراخ من تحت الأبواب. وأضاف: “أبرمنا اتفاقاً بأن من يصل إلى الغرب أولاً، عليه أن يخبر العالم بأن الآخر حي ومحتجز”. وتمكن عباس، عبر والدته التي نجحت في العثور عليه وزيارته، من إيصال معلومات عن احتجاز دوز إلى خارج سوريا، مما ساعد في كشف مكانه لدى الجهات الأمريكية التي عملت لاحقاً على إطلاق سراحه. واعتبر دوز أن عباس ساهم في إنقاذ حياته، مؤكداً امتنانه لما فعله رغم أن عباس لم ينج.

وفي 16 ديسمبر 2013، أبلغت أجهزة النظام السابق عائلة عباس بأنه انتحر أثناء احتجازه، لكن تحقيقاً قضائياً بريطانياً خلص في 27 أكتوبر 2014 إلى أنه كان ضحية “قتل غير مشروع”.

عملية الإفراج والوصول إلى الولايات المتحدة

ووفق دوز، فإنه كان يجري لقاءات مع ممثل دبلوماسي تشيكي يتولى رعاية المصالح الأمريكية في سوريا، بالتزامن مع استمرار استجوابه من أجهزة النظام السابق. وقال إن المحققين كانوا يمتلكون تسجيلات لمحادثات أجراها أصدقاؤه وأفراد عائلته في الولايات المتحدة. وأضاف أنه قرر خلال إحدى المكالمات المجازفة بكشف معلومات قد تساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “إف بي آي” في تحديد هوية أشخاص مرتبطين بتلك التسجيلات. وتابع: “أمسكت الهاتف وبدأت أصرخ بأسماء ومعلومات واقتباسات تكفي لمساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي على تحديد مواقعهم”. وبحسب دوز، توقفت بعدها اللقاءات الدبلوماسية والمساعدات الغذائية التي كانت تصله، وأعيد لفترة قصيرة إلى التعذيب.

وأضاف أنه بعد أشهر، أخرج من زنزانته دون إبلاغه بوجهته، واعتقد أنهم سيأخذونه لتنفيذ حكم الإعدام، لكنهم سلموه في المطار إلى رجال قالوا إنهم من القوات الخاصة الروسية. ونقل من دمشق على متن رحلات جوية وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين، ووصل في النهاية إلى موسكو، ونقل إلى مبنى علم لاحقاً أنه تابع لوزارة الخارجية الروسية. وفوجئ بوصول مسؤولين أمريكيين لتسلمه، ونقله إلى السفارة الأمريكية في موسكو حيث تلقى رعاية طبية عاجلة، ثم نقل بعدها إلى قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا لاستكمال علاجه قبل عودته إلى الولايات المتحدة.

وفي 8 أبريل 2016 أكدت الخارجية الأمريكية إطلاق سراح مواطن أمريكي كان محتجزاً لدى السلطات السورية، مشيدة بجهود روسيا وتشيكيا في تسهيل الإفراج عنه. ولم تعلن الوزارة آنذاك الاسم لأسباب تتعلق بالخصوصية، لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا لوسائل إعلام أن المفرج عنه هو دوز.

آثار التعذيب وأماله في العدالة

وبعد سنوات، لا يزال دوز يعاني آثار الإصابات التي تعرض لها في المعتقل، ومنها فقدان جزء من قدمه اليمنى وصعوبات الحركة والكلام. ورغم ذلك، قال: “أشعر أنني محظوظ لأن لدي رؤية فريدة لحملة الاضطهاد التي شنها الأسد ضد شعبه في سوريا، وهي رؤية لم تتح لكثيرين”. وتأتي عودة دوز إلى سوريا في ظل مسار للعدالة الانتقالية بدأته السلطات السورية الجديدة، إذ أحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم رئاسي في مايو 2025، لكشف الحقيقة بشأن انتهاكات النظام السابق ومساءلة المسؤولين عنها. ويأمل دوز أن تساهم شهادته وما يمكن جمعه من أدلة داخل مراكز الاحتجاز السابقة في تحديد المسؤولين عن الجرائم، وكشف مصير الضحايا وإنصاف عائلاتهم. وقال: “لن نتمكن من منع تكرار هذه الفظائع ما لم نفهم لماذا حدثت، وما الذي جعل مثل هذه الأفعال ممكنة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *