اتساع رقعة القتال في اليمن: قصف على عدن ومعارك ضارية في تعز ومأرب

شهدت اليمن يوم الخميس الماضي موجة تصعيد عسكري غير مسبوقة، امتدت من جبهات القتال التقليدية في محافظتي تعز ومأرب لتطال العاصمة المؤقتة عدن، حيث تعرض القصر الرئاسي فيها لقصف صاروخي هو الأول من نوعه منذ اندلاع المواجهات مجدداً في يوليو من العام الماضي.
هجوم صاروخي على قصر معاشيق
في ساعات عصر الخميس، أطلقت جماعة الحوثي وابلاً من الصواريخ الباليستية باتجاه قصر معاشيق الرئاسي الواقع في مديرية صيرة بعدن، حسبما أفاد مصدر حكومي وشهود عيان. وأوضح المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته لوكالة الأناضول أن القصف استهدف المقر الرئاسي بخمسة صواريخ باليستية، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء الحكومة اليمنية كانوا داخل القصر لحظة الهجوم. وأضاف المصدر أن الحصيلة الأولية للهجوم أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود من حراس القصر الرئاسي. من جانبه، أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في منشور على منصة “إكس” أن رئيس الحكومة شائع الزنداني وجميع الوزراء بخير.
في المقابل، أصدرت جماعة الحوثي بياناً مقتضباً عبر موقع قناة “المسيرة” الناطق باسمها، قالت فيه إن قواتها استهدفت مقراً للعمليات الحربية داخل قصر معاشيص تديره ضباط سعوديون، بالإضافة إلى مخازن أسلحة تابعة لهم. ويعد هذا القصف الأول من نوعه الذي يتعرض له القصر الرئاسي بعدن منذ تجدد الاشتباكات بين الحوثيين والحكومة الشرعية في يوليو الماضي.
معارك عنيفة في تعز
على صعيد آخر، أعلنت القوات الحكومية إحباط هجمات واسعة النطاق شنتها جماعة الحوثي على عدة جبهات في محافظة تعز، وذلك بدعم من المقاومة الشعبية والطيران الحربي. وأوضح المركز الإعلامي للقوات المسلحة في بيان له أن قوات الجيش أجبرت المهاجمين على التراجع بعد إلحاق خسائر بشرية ومادية كبيرة بهم، مشيراً إلى أن جبهات غرب مدينة تعز وجنوب المحافظة شهدت أعنف المواجهات خلال الساعات الأخيرة. وأضاف البيان أن غارات جوية استهدفت تجمعات وأرتالاً عسكرية ومواقع تمركز للحوثيين، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير وإعطاب عدد من الآليات العسكرية. وفي وقت سابق، أعلن الجيش اليمني إحباط هجوم للحوثيين على جبل هان الاستراتيجي الواقع غربي مدينة تعز. وقال العقيد عبد الباسط البحر، نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي بمحور تعز العسكري، إن القوات الحكومية صدت الهجوم بعد ساعات من المواجهات العنيفة، متّهماً الحوثيين بقصف جبل هان والجبهة الغربية والأحياء السكنية المحيطة بالمدفعية الثقيلة والقذائف. ولم يصدر أي تعليق فوري من الحوثيين بشأن هذه المعارك. ويتمتع جبل هان بأهمية استراتيجية كبيرة كونه يشرف على طريق الضباب، وهو المنفذ الحيوي الذي يربط مدينة تعز بمحافظة لحج ومنها إلى العاصمة المؤقتة عدن، كما يطل على عدة أحياء غربية في المدينة.
قصف باليستي على مأرب
في تطور ميداني آخر، أعلن الجيش اليمني أن جماعة الحوثي استهدفت مدينة مأرب بعدة صواريخ باليستية. وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة في بيان مقتضب إن “مليشيات الحوثي الإرهابية تستهدف مدينة مأرب المكتظة بالسكان بعدة صواريخ باليستية”. ولم يقدم البيان تفاصيل إضافية حول حجم الأضرار أو عدد الضحايا المحتملين، كما لم يصدر تعليق فوري من الحوثيين. وتعد مأرب معقلاً رئيسياً للحكومة اليمنية، حيث تضم مقار وزارة الدفاع وهيئة الأركان، بالإضافة إلى حقول النفط والغاز الأهم في البلاد.
انتهاكات حقوقية ونزوح جماعي
على الصعيد الإنساني، أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وهي منظمة غير حكومية، عن توثيق 219 انتهاكاً في محافظة تعز خلال 48 ساعة فقط. وأوضحت الشبكة أن سبعة مدنيين قتلوا وأصيب تسعة آخرون في حوادث شملت قصفاً للمنازل وانفجار ألغام أرضية وحوادث دهس بمركبات عسكرية تابعة للحوثيين. وأضافت أن الجماعة داهمت وفتشت ونهبت أكثر من 130 منزلاً في مناطق التربة والشمايتين وجبل حبشي، كما اختطفت وأخفت قسرياً 26 شخصاً بينهم أطفال ومسنون ومرضى، ونقلتهم إلى محافظتي إب وذمار. وأشارت الشبكة إلى أن قوات الحوثيين أطلقت نحو 377 مقذوفاً باتجاه مدينة تعز، مما تسبب في تضرر 29 منزلاً و18 مركبة خاصة وإثارة حالة واسعة من الخوف بين السكان. كما اتهمت الشبكة الجماعة بمواصلة فرض حصار مشدد على المحافظة ومنع دخول المواد الغذائية والمشتقات النفطية والأدوية، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية. ولم يصدر أي تعليق من الحوثيين على هذه الاتهامات.
في غضون ذلك، أعلنت السلطة المحلية في محافظة تعز استعدادها لتقديم جميع التسهيلات اللازمة لضمان وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية إلى السكان. وأفادت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية “سبأ” بأن لجنة الطوارئ بالمحافظة، برئاسة المحافظ نبيل شمسان، ناقشت تداعيات الحصار على الوضع التمويني ومخزون المواد الغذائية والمشتقات النفطية والغاز المنزلي. ورحبت اللجنة بجهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر الرامية إلى إدخال الإمدادات والمواد الأساسية إلى المدينة، بما في ذلك شحنات الوقود المخصصة لتعز والموجودة حالياً في محافظة لحج. وأكد المحافظ شمسان أن إغلاق الطرق يمثل العائق الرئيسي أمام تدفق الإمدادات، مشيراً إلى استمرار الاتصالات مع الصليب الأحمر لتسهيل مرور المساعدات وانتظار رد الحوثيين بشأن فتح الطرق والسماح بدخولها. كما شددت اللجنة على أن جميع المنافذ الخاضعة لسيطرة السلطة المحلية مفتوحة أمام حركة البضائع والمساعدات، متهمة الحوثيين بمواصلة إغلاق الطرق الرئيسية وعرقلة وصول الاحتياجات الأساسية.
وفي مؤشر على اتساع التداعيات الإنسانية للتصعيد، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن أكثر من 232 ألف يمني اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ عودة العمليات العسكرية في يوليو الماضي. وأوضحت المفوضية في بيان أن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر النازحة من محافظة تعز نزحت داخل المحافظة نفسها، داعية إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين. وأكدت أن آلاف الأسر النازحة تحتاج بصورة عاجلة إلى الدعم والمساعدات الأساسية في ظل تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار أعمال القتال.
مساعٍ دبلوماسية أوروبية
على الصعيد السياسي، طالبت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه جماعة الحوثي للحد من تداعيات التصعيد العسكري. وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة وسفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وفق بيان لوزارة الخارجية. وبحث الجانبان التطورات العسكرية في محافظة تعز وآثارها الأمنية والإنسانية، إضافة إلى تداعياتها على الملاحة الدولية وأمن المنطقة. وقالت الزوبة إن أكثر من أربعة ملايين نسمة في تعز يتأثرون بشكل مباشر بالهجمات المستمرة والحصار المفروض على المدينة، محذرة من نقص الغذاء والمياه والأدوية والوقود، ومن تفاقم أوضاع النازحين. من جانبه، أكد سيمونيه دعم الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية واستمرار التنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين من أجل التخفيف من الأزمة الإنسانية وتعزيز جهود الاستقرار.
وتندرج هذه التطورات ضمن تصعيد عسكري بدأ في يوليو الماضي، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي شهده اليمن بفضل هدنة بدأت في أبريل 2022. ويشهد اليمن حرباً منذ سيطرة الحوثيين في سبتمبر 2014 على صنعاء ومحافظات عدة، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس 2015 دعماً للحكومة اليمنية. ويسيطر الحوثيون على معظم المحافظات الشمالية والغربية، ومنها صنعاء وصعدة وعمران وذمار شمالاً، والحديدة غرباً، وإب جنوب غرب، والمحويت وريمة شمال غرب، ويفرضون سيطرة جزئية في حجة والبيضاء ومأرب والجوف والضالع وتعز. في المقابل، تسيطر القوات الحكومية وحلفاؤها على العاصمة المؤقتة عدن، ومحافظات المهرة وحضرموت وشبوة وأبين، وغالبية لحج والضالع، وأجزاء من تعز ومأرب والجوف وحجة وصعدة.




