اليابان تواجه تحديات في تبني الذكاء الاصطناعي بسبب الثقافة البيروقراطية والأنظمة القديمة

الموظف الياباني ينظر إلى شاشة حاسوبه المتهالك بينما تتراكم فوق مكتبه ملفات ورقية تعود لزمن مضى، وكأنه يعمل في متحف أكثر من كونه في بيئة عمل لثالث أكبر اقتصاد في العالم.
الثقافة المؤسسية وخوف الخطأ
بينما يندمج العالم بسرعة في دمج الذكاء الاصطناعي في عملياته الأساسية، تبقى المؤسسات اليابانية ثابتة كتماثيل فن النو الكلاطي؛ الجميع يتفق على ضرورة التحرك لكن الأقدام تظل ثابتة في مكانها.
وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا يتجاوز عدد المستخدمين الفعليين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل اليابانية نسبة 8.4%، بينما ترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ في دول أخرى؛ فتشير إحصاءات منفصلة إلى أن النسبة في الولايات المتحدة تبلغ 50% وفي المملكة المتحدة 32%، وفي سنغافورة التي سجلت ثاني أعلى معدل لتبني الذكاء الاصطناعي عالمياً والأعلى على مستوى آسيا فإن 56% من العمال يستخدمونه عدة مرات في الأسبوع.
هذا التأخير لا يعود إلى نقص في القدرات التقنية لبلد معروف بالهواتف الذكية المتقدمة، بل إلى جدار سميك من البيروقراطية وثقافة مؤسسية تقدر التوافق وتعتبر الخطأ خطيئة لا تغتفر.
الفجوة بين الأجهزة والبرمجيات
علاوة على ذلك، لم تتجاوز نسبة الشركات الصغيرة والمتوسطة في اليابان التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي التوليدي 23.5%، وهي الأدنى بين الدول المشمولة بالدراسة مقارنة بألمانيا التي سجلت 38.7%.
أظهرت مؤشرات الابتكار الرقمي العالمية الصادرة عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية تراجع ترتيب اليابان فيما يخص الكفاءة الرقمية والقدرة على اعتماد التكنولوجيا الحديثة بين الدول المتقدمة، ما يعكس فجوة عميقة بين امتلاك الأجهزة الاستهلاكية الذكية وتوظيف البرمجيات المؤسسية المتقدمة في بيئة العمل الفعلية؛ حيث تفضل الشركات الكبرى الاعتماد على آليات تشغيل داخلية آمنة ومغلقة بعيداً عن الحلول السحابية العالمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
في الشركات اليابانية يُفضل ترك الوظيفة شاغرة تماماً على السماح لخوارزمية بخطأ محتمل أمام العملاء، لذا تقترب نسبة التسامح مع الهفوات التقنية من الصفر.
مبادرات تغيير محدودة وعوائق مستقبلية
بينما تتبنى الشركات الأمريكية فلسفة “جرب النظام ثم صحح أخطاءه” تبقى الإدارات اليابانية أسيرة هواجس السمعة المؤسسية والخوف من زعزعة الاستقرار الوظيفي؛ أولوية المجتمع المطلقة هي الحفاظ على التوظيف الكامل واستقرار العمالة حتى لو كان الثمن التضحية بمكاسب الإنتاجية في اقتصاد يعاني من أسوأ معدلاتها بين دول مجموعة السبع.
ولا تقتصر الأزمة على البيروقراطية الإدارية؛ بل تمتد إلى البنية التحتية التقنية نفسها؛ إذ تشير مسوح وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) إلى أن نحو 60% من أنظمة حواسيب الشركات لا تزال تعتمد على برمجيات وأنظمة قديمة تجاوز عمرها العشرين عاماً، ما يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ “جرف التحول الرقمي”.
إلى جانب ذلك، تؤكد التقديرات الرسمية وجود عجز هيكلي متوقع بنحو 800 ألف متخصص في قطاع تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
حتى في قطاع حيوي كالرعاية الصحية لا تزال بعض المستشفيات تقاوم الرقمنة الشاملة لملفات المرضى، وتغرق في مستندات ورقية وصفها أحد العاملين بأنها “العصر الحجري”.
ومع ذلك، تبدأ رياح التغيير بالهبوب على استحياء؛ فقد بدأت بعض الشركات الكبرى مثل “كانيماستسو” تعطي الأولوية لثقافة الذكاء الاصطناعي في استقطاب الخريجين الجدد، مدفوعة بضغط حكومي أقر قانوناً يعزز الذكاء الاصطناعي ويستهدف تحويل طوكيو إلى بيئة صديقة للابتكار.
غير أن الخبراء يدركون أن التغيير الجذري في اليابان يظل اصطداماً مؤلماً مع ثقافة تتوقع الإصلاحات دون أي ضجيج؛ والنتيجة واضحة: إما أن تتخلى اليابان عن حذرها المبالغ فيه وتقبل قدراً من “الاضطراب” الإيجابي، أو تظل مكاسب الإنتاجية المنشودة بعيدة المنال في عالم لا يعترف بالبطء.
وتشير وزارة المالية اليابانية إلى قفزة رقمية واضحة مع إعلان أن 75% من الشركات باتت تستخدم التكنولوجيا مقارنة بـ 11% قبل خمس سنوات، يرى النقاد والمحللون أن هذه الأرقام خادعة؛ إذ إن النسبة الغالبة من موظفي تلك الشركات لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي إلا في أضيق نطاق وبنسب ضئيلة للغاية.



