خمسة عوامل تُفسّر تراجع تونس في مونديال 2026

لم يُعَدّ هزيمتا تونس أمام السويد 1‑5 واليابان 0‑4 في كأس العالم 2026 السبب الوحيد لتصوُّر الجمهور للمنتخب كأضعف أداء له على الإطلاق في تاريخ مشاركاته بالمونديال. إن ما أثار استنكار المشجعين هو الصورة المتبخترة التي ظهر بها “نسور قرطاج” خلال البطولة، وهو ما اعتبره كثيرون أسوأ مشهد رياضي للمنتخب التونسي.
إرث تاريخي يلتبس أمام الواقع الجديد
كان المنتخب التونسي، الذي سجل أول فوز أفريقي في تاريخ كأس العالم عام 1978 وساهم في إظهار حضور القارة السمراء على الساحة العالمية، قد عاد إلى المونديال في 2022 ليتفوق على فرنسا بطلة 2018. غير أن مشاركته السابعة في 2026 بدت وكأنها لا تعكس هذا الإرث، خصوصاً بعد الخسائر الثقيلة التي لحقت به.
التصفيات المبهرة مقابل الأداء المتعثر
تجدر الإشارة إلى أن “نسور قرطاج” كان من أوائل الفرق التي حجزت مقعدها في البطولة، حيث تصدّر مجموعته في التصفيات بـ28 نقطة من أصل 30 ممكنة، متفوقاً على ناميبيا ومالاوي وليبيريا وغينيا الاستوائية وساو تومي وبرينسيب. خلال تلك المرحلة سجّل المنتخب 22 هدفاً، وحافظ على شباكه نظيفة طوال عشر مباريات، ما يمنحه صفة الصلابة الانضباطية على المستوى التكتيكي.
لكن هذا الوجه القوي اختفى تماماً في مونديال 2026، ويعود السبب إلى ما يحدده العديد من المتابعين بخمسة محاور رئيسية.
تغيّر فني متأخر
أول هذه المحاور هو تعيين المدرب الفرنسي‑التونسي صبري لموشي قبل خمسة أشهر فقط من انطلاق البطولة. جاء هذا القرار مصحوباً بإعادة هيكلة شاملة في أسلوب اللعب واختيارات التشكيلة. اعتمد لموشي على عدد من اللاعبين الاحتياطيين في الدوريات الأوروبية، مستثنياً عناصر ذات خبرة مثل فرجاني ساسي وياسين مرياح، ومنح حارس مرمى قليل الخبرة الدولية فرصاً في التشكيلة الأساسية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضية التونسية.
اختيارات مثيرة للجدل
وصف المدير الرياضي السابق للاتحاد التونسي لكرة القدم محمد سليم بن عثمان القائمة التي شاركت في المونديال بأنها “لم تكن موفقة”، مشيراً إلى أن استبعاد عدد من العناصر التي ساهمت في التأهل أضعف توازن الفريق. وأضاف أن المنتخب، الذي لم يتلقى أي هدف في التصفيات، فقد جزءاً من هويته بتخليه عن الركائز الأساسية، مؤكدًا أن بعض اللاعبين شعروا بأن المشاركة في كأس العالم صارت فرصة فردية أكثر من كونها استكمالاً لمشروع جماعي بُني خلال التصفيات.
أزمة إدارية وحوكمة
نُسب جزء آخر من المسؤولية إلى مجلس إدارة الاتحاد التونسي، حيث رأى البعض أن نقص الخبرة الإدارية، وضعف الكفاءة، وانعدام الاستقرار داخل المؤسسة الكروية أثَّر سلباً على استعداد المنتخب للبطولة.
دعوات لإصلاح جذري
اعترف قائد المنتخب إلياس السخيري بأن مستوى تونس لم يكن ملائماً لمتطلبات كأس العالم، ودعا إلى مراجعات شاملة تشمل جميع مستويات كرة القدم التونسية. وأوضح أن المنظومة الكروية “لا يمكنها الاستمرار بالأساليب نفسها”، مطالباً بإصلاحات تمتد من الإدارة إلى التدريب والعمل القاعدي.
من جهته، صرّح اللاعب علي العابدي في تصريحات تلفزيونية عقب الخسارة الثقيلة أمام اليابان أن الخطأ الأكبر كان استبعاد اللاعبين ذوي الخبرة قبل فترة وجيزة من انطلاق المونديال، مؤكدًا أن التشكيلة الحالية تضم عدداً كبيراً من الشباب وتُعَدّ مشروعاً للمستقبل قد يثمر نتائجه بعد أربع أو خمس سنوات.
خلل هيكلي أعمق
يضيف المدرب لسعد جردة أن الأزمة لا تقتصر على نتائج المونديال فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشمل مشكلات بنيوية عميقة تعاني منها الكرة التونسية منذ سنوات. أشار إلى أن المنتخب استقبل 14 هدفاً خلال ثلاث مباريات متتالية، من بينها هزيمة صريحة 5‑0 أمام بلجيكا في مباراة ودية قبل البطولة، مؤكداً أن هذه النتائج غير مسبوقة حتى في أصعب مراحل تاريخ المنتخب.
كما لفت إلى غياب الأكاديميات المتخصصة، وضعف البنية التحتية، وتراجع مستوى منتخبات الفئات السنية، معتبرًا أن هذه العوامل ساهمت في تراجع المنتخب الأول، وأن التصفيات الأفريقية أمام فرق متوسطة المستوى أخفت بعض المشكلات التي ظهرت جلياً عند مواجهة منتخبات من الصف الأول عالمياً.
وبينما يغادر “نسور قرطاج” مونديال 2026 بخيبة كبيرة، تزداد الدعوات داخل تونس إلى إطلاق ورشة إصلاح شاملة لإعادة بناء المنتخب واستعادة المكانة التي جعلته يوماً من أبرز ممثلي الكرة الأفريقية على الساحة الدولية.



