موجة بيع عالمية تجتاح قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من طوكيو إلى وول ستريت

في مشهد يكشف عن هشاشة المكاسب المتسارعة التي سجلتها الأسواق المالية مؤخراً، تحولت أغلب البورصات العالمية إلى اللون الأحمر يوم الثلاثاء، مع اندلاع موجة بيع واسعة طالت أسهم قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، امتدت من وول ستريت إلى طوكيو وسيول ولندن وفرانكفورت، مما قوض جزءاً كبيراً من المكاسب التي تحققت خلال جلسات الصعود المتتالية.
بداية التراجع من وول ستريت
انطلقت الشرارة الأولى يوم الاثنين، حين بدأت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى في الانخفاض بقيادة سهم ألفابت، ثم تسارعت وتيرة الخسائر يوم الثلاثاء لتمتد أفقياً نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية، وتعود لتزيد الضغوط على السوق الأمريكية.
وكان العامل المشترك بين كل هذه الأسواق يتمثل في تصاعد المخاوف من احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة مرة أو أكثر قبل نهاية العام، في وقت أصبحت فيه شركات الذكاء الاصطناعي مثقلة بالديون التي اقترضتها لتمويل مشروعاتها التوسعية الضخمة.
اليابان تتراجع من القمة
دفع المستثمرون ثمن الارتفاع القياسي الذي سجله مؤشر نيكاي يوم الاثنين، إذ تراجع المؤشر بنسبة 3.55% ليغلق عند 69788 نقطة، منهياً بذلك سلسلة مكاسب استمرت ثماني جلسات متتالية، ومسجلاً أدنى مستوى له في أسبوع كامل، بعد أن تجاوز حاجز 72 ألف نقطة لأول مرة في تاريخه قبل يوم واحد. وعلى المنوال نفسه، تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 2.6% ليصل إلى 3990 نقطة.
تصدرت الخسائر أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات التي كانت المحرك الرئيسي للصعود في الجلسات الماضية، في ما بدا وكأنه تصحيح مفاجئ أعقب مكاسب مبالغاً فيها.
وكان أبرز الخاسرين سهم كيوكسيا لرقائق الذاكرة الذي انخفض بنسبة 15.1%، وسهم فوروكاوا إلكتريك الذي تراجع بنسبة 15.5%، بينما خسر سهم مجموعة سوفت بنك العملاقة للاستثمار التكنولوجي 10.1%، وتراجع سهم ميتسوي كينزوكو بنسبة 12.6%.
وفي هذا السياق، قال ماساهيرو إيتشيكاوا، كبير محللي السوق في شركة سوميتومو ميتسوي لإدارة الأصول، إن “السوق تشهد بعض عمليات جني الأرباح بعد سلسلة من المكاسب”، وهو تفسير يشير إلى أن الأسواق بحاجة إلى استراحة قبل استئناف مسارها الصاعد.
وفي مقابل هذا التراجع العام، تمكنت بعض الأسهم الدفاعية من التمسك بالإيجابية، حيث ارتفع سهم مييجي هولدنجز لمنتجات الألبان بنسبة 3.5%، وسهم نيتشيري للخدمات اللوجستية بنسبة 3.1%.
آسيا تتلقى الضربة الأعنف
إذا كانت اليابان قد شهدت تراجعاً مؤلماً، فإن كوريا الجنوبية عاشت يوماً أكثر قسوة، إذ انهار مؤشر كوسبي بنسبة 10% في جلسة واحدة، في ضربة قوية لسوق كانت قد حققت ارتفاعاً استثنائياً بلغ 95% منذ بداية العام الجاري.
وكان وقود هذا الانهيار ضخماً، حيث تعرض سهم عملاق رقائق الذاكرة إس كيه هاينكس لخسائر حادة انعكست فوراً على المؤشر العام وعلى أسهم سامسونغ إلكترونيكس في بورصة سيول التي تراجعت بنسبة 12.3%.
وتعكس حدة هذا التراجع في السوق الكورية حجم التضخم السعري الذي تراكم في قطاع أشباه الموصلات خلال الأشهر الماضية، في ظل الإنفاق المتصاعد على مشروعات الذكاء الاصطناعي. فعندما تتبدد ثقة المستثمرين في استمرارية هذا الزخم، تكون ردة الفعل عنيفة بالقدر نفسه.
وول ستريت تحت وطأة التكنولوجيا والفائدة
استهلت الأسواق الأمريكية جلسة الثلاثاء بضغوط متصاعدة امتزجت فيها أسباب متعددة في آن واحد. وتباينت المؤشرات في أدائها وإن جمعها الضغط العام؛ إذ صعد مؤشر داو جونز بنحو 0.2% ليظهر صموداً نسبياً مدعوماً بأسهم القطاعات التقليدية، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة تراوحت بين 0.8% و1.4% في أوقات مختلفة من الجلسة، مستقراً عند مستويات تتراوح بين 7366 و7412 نقطة.
وسجل مؤشر ناسداك الضربة الأكبر بتراجع بلغ بين 1.2% و2.4% ليصل إلى نطاق يتراوح بين 25549 و25852 نقطة، وهو ما يعكس تركّز الخسائر في أسهم التكنولوجيا التي يحتضنها المؤشر بقوة.
وكان سهم ميكرون تكنولوجي في طليعة الخاسرين بانخفاض تجاوز 9%، بينما انهار سهم ساندسك بأكثر من 12%، وتراجع سهم كوالكوم بنسبة 6.6%، وسهم إنفيديا بنسبة 2.4%. أما سهم ألفابت فخسر نحو 2% يوم الثلاثاء بعد خسائره التي بلغت 5% يوم الاثنين، لتصل خسائره التراكمية في يومين إلى مستويات لافتة.
وواصل سهم سبيس إكس مسيرة التراجع بخسارة تجاوزت 1%، ليهبط تحت سعر إدراجه البالغ 150 دولاراً قبل أن يستعيد بعض أرضه ويتجاوز هذا المستوى مجدداً، في ما يشبه اختبار صبر المستثمرين الجدد.
وتخطط الشركة المملوكة لإيلون ماسك لطرح سندات جديدة لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضيف بعداً إضافياً من القلق لدى المتداولين الذين باتوا أكثر حساسية تجاه الإنفاق الممول بالدين.
والمحرك الأعمق وراء هذه التراجعات هو تصاعد الرهانات على رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة؛ إذ بات المتداولون يراهنون على رفع بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل قبل نهاية العام، مع توقعات لدى شريحة من المستثمرين بزيادة مماثلة أخرى.
وفي بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، تصبح شركات الذكاء الاصطناعي المثقلة بالديون الأكثر عرضة للضغوط، وهو ما عكسته تداولات اليوم.
أوروبا تتلقى العدوى
لم تنجُ الأسواق الأوروبية من تداعيات الموجة العالمية، إذ أغلق مؤشر ستوكس 600 الأوروبي منخفضاً بنسبة 0.7%، مسجلاً أدنى مستوياته منذ 12 يونيو الجاري، فيما تراجعت معظم قطاعاته بتناغم مع الأسواق الأمريكية والآسيوية.
وتصدر قطاع التكنولوجيا قائمة الخاسرين بانخفاض بلغ 3.7%، وهو الأكبر يومياً منذ فبراير الماضي، في مشهد يعكس إعادة تقييم المستثمرين على المستوى العالمي للشركات التي ارتفعت أسهمها بحدة مدفوعة بحماس الذكاء الاصطناعي.
وكانت أشد الضربات على أسهم شركات الرقائق الأوروبية؛ إذ هوى سهم إس.تي مايكروإلكترونيكس بنسبة 8.5%، وسهم أيكسترون بنسبة 8.3%، وسهم إنفينيون بنسبة 6.3%، وسهم إيه.إس.إم.إل بنسبة 5.7%. ومعظم هذه الشركات لجأت مؤخراً إلى أسواق الديون لتمويل توسعها، وهو ما باتت الأسواق تنظر إليه بعين القلق في ظل توقعات ارتفاع الفائدة.
وعلى صعيد السياسة النقدية الأوروبية، رسخت الأسواق رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إضافية في وقت لاحق من العام، على الرغم من أن رئيسة البنك كريستين لاغارد قللت أمس من مخاوف تضخم الجولة الثانية، وهي ظاهرة تحدث حين تتحول صدمة الأسعار الأولية إلى موجات متتالية من الغلاء، عبر دوامة ارتفاع الأجور ثم رفع أسعار المنتجات للحفاظ على الأرباح.
وعلى صعيد موازٍ، تراجع النفط الخام بنحو 1%، فيما هبط الذهب بأكثر من 2% في موجة بيع طالت حتى الملاذات الآمنة التقليدية.
ويطرح مشهد اليوم سؤالاً محورياً يشغل بال المستثمرين: هل ما نشهده تصحيح صحي طبيعي في سياق صعود أشمل، أم بداية انعكاس حقيقي للاتجاه؟ المحللون منقسمون، غير أن ثمة حقائق لا جدال فيها؛ فأسهم الذكاء الاصطناعي حققت مكاسب خيالية في وقت قصير جداً، وشركاتها استدانت بكثافة لتمويل التوسع، والفائدة المرتفعة تجعل هذا الدين أثقل وطأة، فيما تقترب أرقام التضخم الأمريكية المرتقبة يوم الخميس من مستويات قد تجبر الفيدرالي على التشدد.
الأسابيع القليلة المقبلة ستكون اختباراً فاصلاً: فإما أن تتماسك الأسواق وتستأنف صعودها بعد هذا التصحيح، وإما أن تكون هذه الموجة إيذاناً بمرحلة جديدة من التحفظ وإعادة التسعير.



