الرئيسيةعربي و عالميتحليل قانوني: هل تُلزم مذكرة التفاهم...
عربي و عالمي

تحليل قانوني: هل تُلزم مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية الموقعة في يونيو 2026 الأطراف؟

24/06/2026 07:00

بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية في 16 يونيو 2026، انشغل المحللون والسؤال المطروح كان بسيطًا ظاهريًا لكنه معقدًا جوهرًا: هل هذه الوثيقة معاهدة ملزمة أم مجرد إعلان نوايا؟ وقد شبّه البعض الوضع بما يحدث في رواية المحاكمة لكافكا، حيث لا تكون الإجابة مباشرةً ولا كافية.

محتوى المذكرة والالتزامات الواردة فيها

شملت المذكرة مجموعة من الالتزامات المتبادلة التي يصعب اعتبارها مجرد نوايا. فهي نصت على تعليق العمليات العسكرية، وضمان حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية بالخليج العربي ومضيق هرمز، ودعم التهدئة في لبنان، وإنشاء آليات للمتابعة والتواصل تشارك فيها وساطىء وسطاء دوليين، بالإضافة إلى ترتيبات اقتصادية شملت تجميد بعض العقوبات المفروضة على إيران.

لم تُقدَّم المذكرة على أنها معاهدة تنهي النزاع؛ فمعظم الناس عندما يسمعون كلمة “معاهدة” يستحضرون صورًا تاريخية محددة مثل المعاهدات التي أُبرمت بعد الحروب وأغلقت فصولًا من الصراع، على سبيل المثال معاهدة فرساي عام 1919 التي لم تكن مجرد اتفاق سياسي بل إعلانًا رسميًا عن نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية نظام دولي جديد، حيث حددت بصورة نهائية من انتصر ومن هُزم وما هي الحقوق والالتزامات التي ستنظم المرحلة التالية.

المنظور القانوني للتزامات المذكرة

عند النظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية نجد أنها لا تشبه تلك النماذج من المعاهدات؛ فهي لم تأتِ بعد انتصار عسكري حاسم، ولم تعلن نهاية الصراع بين واشنطن وطهران، ولم تغلق الملفات التي كانت سببا في الأزمة أصلا. بل إن أحد أهم بنودها يتمثل في مواصلة التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي في مرحلة لاحقة بعد ستين يوما.

هنا يثار السؤال القانوني الذي أثار الجدل: هل يمكن لوثيقة تحمل اسم “مذكرة تفاهم” أن تكون ملزمة؟ الجواب قد يكون أحيانًا “نعم”؛ فالقانون الدولي لا يمنح importance للمسميات. هناك قاعدة فقهية تقول: “العبرة بالمقاصد والمعاني وليست بالألفاظ والمعاني” وقد أكدت هذا المبدأ محكمة العدل الدولية بحكمها في قضية قطر والبحرين عام 1994. إذ إن المحكمة لم تكتف بالنظر إلى عنوان الوثيقة والدفوع التي نصت على أنها لا تعدو أن تكون محاضر ومراسلات، بل بحثت في مضمون تلك الوثائق وآثارها القانونية، وانتهت إلى أن الاتفاقات الدولية قد تتخذ أشكالا وتسميات مختلفة، والعبرة ليست بتلك التسميات أو شكلا إنما ما أنشأته من حقوق والتزامات.

من هذا المنظور، من الصعب وصف المذكرة الأمريكية/الإيرانية بأنها غير ملزمة؛ فهي تتضمن التزامات متبادلة ومحددة تتعلق بتنظيم الأمن الإقليمي والعسكري وآثار اقتصادية منها رفع بعض العقوبات. ومع ذلك، من الصعب أيضًا التعامل معها باعتبارها معاهدة نهائية؛ إذ إن الكثير من القضايا المهمة تم تأجيلها إلى مفاوضات لاحقة، ومن بين هذه القضايا مستقبل بعض الترتيبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وشكل العلاقة الأمنية المستقبلية بين الطرفين. وهذا ما يجعل المذكرة أقرب إلى ما يسميه بعض المحللين “اتفاق إطاري” أو “اتفاق انتقالي\).

اقتباسات وخاتمة

ولسان الحال كما قال المثقف العبدي: “ولا أدري إذا يممتُ وجها… أريدُ الخير أيهما يليني.” فالواقع في المجتمع الدولي أكثر تعقيدا، فسواء سميت مذكرة تفاهم أو اتفاق إطاري أو ترتيب انتقالي، فإن طبيعتها تتحدد بما تلتزم به الأطراف. ولعل لهذا السبب تبدو عبارة المراقب في رواية كافكا ذات صلة بالمشهد الدولي الحالي: “ترى أنه علينا أن ننهي المسألة نهاية تصالح؟” فمذكرة التفاهم الأمريكية/الإيرانية لم تصمم لتكون نهاية حرب وتصالح، ولا يجزم أحد أنها حلت جميع الخلافات أو أنها أسست سلاما دائما؛ كل ما فعلته أنها حاولت إدارة مرحلة خطرة، وبناء مساحة للتفاوض وتأجيل المواجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *