ظاهرة بث اللحظات الخاصة على منصات التواصل وتحديات الخصوصية في الإمارات

شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً ملحوظاً لمستخدمي منصات التواصل الذين يفضّلون مشاركة تفاصيل شخصية كانت تُعتبر في الماضي خاصة جداً، مثل مناسك الحج، حفلات الزفاف، مجالس العزاء، وحتى لحظات مرضية داخل المستشفيات.
ظاهرة بث اللحظات الخاصة
يروي مواطنون ومقيمون أنهم لاحظوا ظهور مقاطع فيديو وبث مباشر يظهر معتمر يفتح كاميرته أثناء الطواف حول الكعبة، وعروس تنقل كل تفاصيل فرحتها لحظة بلحظة، بالإضافة إلى بث مباشر من داخل مجالس العزاء أو من غرف المستشفيات حيث يصور ذوو المرضى حالة أحبائهم في اللحظات الأخيرة.
التداعيات القانونية والاجتماعية
أعرب عدد من المشاركين في الاستطلاع الذي أجرته «الإمارات اليوم» عن قلقهم من انتشار محتوى يتعارض مع القيم المجتمعية الأصيلة، مؤكدين ضرورة تكثيف حملات التوعية لحماية الحياة الخاصة والحد من تقليد هذه السلوكيات. وأشاروا إلى أن السعي وراء الشهرة وزيادة التفاعلات يدفع بعض الأشخاص لتحويل أعمق اللحظات الإنسانية إلى مواد تفاعلية تهدف لجذب المشاهدات وتحقيق عائد مادي.
نظرت محاكم الدولة في عدة قضايا تتعلق بانتهاك الخصوصية عبر الشبكات الإلكترونية، وأصدرت فيها أحكاماً رادعة ضد المخالفين. وفي حالة محددة، غرمت محكمة شاباً عربياً بمبلغ عشرة آلاف درهم وألزمتْه بدفع تعويض مؤقت قدره واحد وعشرون ألف درهم لنشره صورة شخص آخر دون إذن. كما ينص المرسوم بقانون اتحادي الخاص بمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على معاقبة من يستخدم وسائل تقنية المعلومات للاعتداء على خصوصية شخص أو حرمة الحياة الخاصة أو العائلية بغير رضاه، حيث تصل العقوبة إلى الحبس ستة أشهر على الأقل وغرامة تتراوح بين مائة وخمسين ألفاً وخمسمائة ألف درهم، مع إمكانية تطبيق إحدى العقوبتين فقط. ويولي القانون اهتماماً خاصاً بتصوير المصابين أو الموتى أو ضحايا الكوارث، إذ يجرم التقاط صورهم أو نشرها دون تصريح من ذوي الشأن.
رؤى خبراء ونصائح
حذّر خبراء قانونيون من المخاطر المجتمعية والقيمية والنفسية التي تنتج عن هذه السلوكيات، مؤكدين أن الخصوصية حق إنساني أصيل يجب الحفاظ عليه حتى في أكثر المجتمعات ارتباطاً بالتكنولوجيا.
قالت أخصائية علم النفس الإكلينيكي الدكتورة فاطمة الحامدي إن هناك عوامل اجتماعية وشخصية تدفع الفرد لتقليد الآخرين ومحاكاة السائد دون إدراك العواقب، بالإضافة إلى مشاعر النقص والعجز أو انخفاض تقدير الذات التي تسعى لتعويضها من خلال خلق صورة مثالية على الإنترنت لجذب الإعجاب والتأييد. وأضافت أن البيئة المحيطة وتأثير وسائل التواصل يدفعان الفرد لاستغلال آلام الآخرين لتحقيق مكاسب مادية، مثل بث معاناة المرضى أو المتاجرة بمشاعر الحزن لدى ذوي المتوفين، ما يؤدي إلى إدمان سلوكي على الحصول على لايكات ومتابعة الترندات بأي ثمن، وقد ينتج عن ذلك اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب نتيجة التنمر الرقمي والردود السلبية.
من جهته، أوضح أستاذ علم النفس الاجتماعي الدكتور أحمد العموش أن الحياة الافتراضية في العصر الرقمي فقدت مفهوم الخصوصية الذي كان يشكل دعامة المجتمعات التقليدية، حيث أصبح الناس يعبرون عن كل تفاصيل مشاعرهم وأسرهم عبر منصات مثل فيس بوك وإكس بحثاً عن المتابعات والأرقام، مما يخلق حالة من الغربة الاجتماعية ويفقد الواقع معناه الحقيقي.
وأكد المحامي علي مصبح أن المشكلة لا تكمن في استخدام الهاتف أو مشاركة اللحظات الخاصة باختيار الشخص، بل تبدأ عندما تتحول خصوصية الآخرين إلى محتوى عام دون علمهم أو موافقتهم، موضحاً أن وجود الشخص في مناسبة أو مكان عام لا يعني موافقته على تصويره وبث صورته لآلاف المتابعين. وشدد على أن المسؤولية الرقمية تبدأ بسؤال بسيط قبل الضغط على زر البث المباشر: هل ما أنشره يخصني وحدي أم أنني أكشف فيه عن حياة أشخاص لم يختاروا أن يكونوا جزءاً من هذا المحتوى؟
وأشار أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة زايد الدكتور السيد بخيت إلى أن أخطر تحول فرضته منصات التواصل ليس فقط سرعة تداول المعلومات، بل تحويل تفاصيل الحياة الخاصة إلى مادة متاحة للبث والمشاهدة والتعليق، ما كان يُعد شأناً شخصياً أو عائلياً أصبح اليوم محتوى يُشارك مع جمهور واسع وأحياناً مع غرباء لا يعرفون سياق المناسبة. وحث على ترسيخ ثقافة «التوقف قبل البث»: هل يملك المصور حق تصوير من يظهر في المشهد؟ هل وافق؟ وهل سيقبل أن تبقى هذه اللحظة متاحة للجميع بعد سنوات؟ وحذر من أن تقليد سلوك البث قد يتحول إلى معيار اجتماعي جديد يجعل الاحتفاظ باللحظات الخاصة استثناءً بينما يصبح نشرها القاعدة.



