الرئيسيةمحلياتمتقاعدون في الإمارات يحوّلون الخبرات إلى...
محليات

متقاعدون في الإمارات يحوّلون الخبرات إلى مشاريع عطاء جديدة

08/08/2026 21:00

تجارب متعددة تسرد قصصاً واقعية عن إطلاق مبادرات حياتية ومجتمعية بعد بلوغ سن التقاعد، حيث رفض أصحابها النظر إلى هذه المرحلة باعتبارها خاتمة للدور المهني والاجتماعي، وسعوا بدلاً من ذلك إلى فتح آفاق جديدة للإنتاج والإسهام.

من بين هؤلاء خميس الكندي، الذي واصل خدمة مجتمعه بعد مغادرته سلك الشرطة، مقدماً نفسه بوصف جديد كإعلامي عبر حساب أصبح من أبرز المنصات المجتمعية في الفجيرة. ومعلمة اللغة العربية عائشة الحمادي، التي حوّلت خبرتها التربوية إلى حصص لتعليم الأطفال القراءة. وكذلك لبنى عبدالله، التي اكتشفت شغفها بالرسم بعد 23 عاماً من العمل في القطاع الحكومي.

من الشرطة إلى الإعلام المجتمعي

تمكن المواطن خميس خلفان الكندي من إمارة الفجيرة من تغيير مساره الحياتي بعد التقاعد، فانتقل من الشرطة إلى الإعلام المجتمعي، محولاً سنوات خبرته وعلاقاته مع الناس إلى حضور إعلامي يتابع تفاصيل الحياة اليومية في الإمارة.

أسس الكندي في أواخر عام 2018 حساب “الفجيرة مباشر”، الذي بدأ بجهد فردي ثم توسع تدريجياً ليصبح نافذة محلية يتابع من خلالها السكان أخبار الإمارة وفعالياتها ومناسباتها.

لم يقتصر دور الحساب على نقل الأخبار، بل صار فضاء قريباً من المواطنين، يشاركهم أفراحهم ومناسباتهم، ويعرّف بقصصهم ومبادراتهم، ويسلط الضوء على الفعاليات الإنسانية والمجتمعية والرياضية والثقافية في مختلف مناطق الإمارة.

كما ساهم “الفجيرة مباشر” في إظهار جهود المؤسسات الحكومية والخاصة، ونقل مبادراتها وخدماتها وإنجازاتها إلى الجمهور، حتى بات من أبرز الحسابات التي يتابعها المجتمع المحلي، وحلقة وصل تعكس حركة الإمارة وما تشهده من فعاليات وأعمال ميدانية.

بالإصرار والاستمرار، استطاع الكندي أن يرسخ اسمه في المشهد الإعلامي المحلي، منتقلاً من متقاعد أنهى سنوات خدمته في الشرطة إلى إعلامي مجتمعي بارز في المنطقة، مقدماً نموذجاً لقدرة المتقاعد على بناء مسار مهني جديد ومواصلة خدمة الناس بصورة مختلفة.

رسالة تعليمية لا تنتهي

من فصل اللغة العربية إلى مجموعات تعليم الأطفال القراءة، واصلت المعلمة المتقاعدة عائشة الحمادي رسالتها التربوية بعد انتهاء خدمتها، محولة خبرتها الطويلة في التعليم إلى عمل جديد يعالج ضعف الطلبة ويساعدهم على تطوير مهاراتهم اللغوية.

قالت الحمادي إن تقديم الدروس الخاصة لم يكن ضمن خططها عند التقاعد، لكن الفكرة نشأت بشكل عفوي عندما لاحظت ضعف عدد من أبناء العائلة في اللغة العربية وبعض المواد الدراسية، بسبب دراستهم في مدارس خاصة.

أضافت أنها تطوعت لتدريسهم خلال إجازات نهاية الأسبوع، مستفيدة من خبرتها في تبسيط المعلومات والتعامل مع مستويات الطلبة المختلفة، قبل أن تلاحظ تحسناً في مستواهم وإقبالاً من أطفال آخرين على الانضمام إلى الدروس.

أوضحت أن التجربة بدأت ضمن نطاق عائلي محدود، لكنها توسعت مع زيادة أعداد الطلبة الراغبين في الاستفادة، ما دفعها إلى تنظيم مواعيد التدريس وفق آلية محددة، وتخصيص مكان مناسب لاستقبالهم ومتابعة احتياجاتهم التعليمية.

أشارت إلى أنها واجهت فراغاً كبيراً خلال الفترة الأولى من تقاعدها، ولم تستطع التعود على الجلوس بلا عمل أو إنتاج، بعد سنوات من الحضور اليومي في المدرسة والتفاعل المستمر مع الطلبة.

أكدت أن الدروس الخاصة لم تكن مجرد وسيلة لملء وقت الفراغ، بل امتداد لمسيرتها التعليمية، إذ أتاحت لها مواصلة رسالتها بعد التقاعد.

التقاعد فرصة لاكتشاف الذات

أما لبنى عبدالله، فوجدت في التقاعد فرصة لاكتشاف اهتمامات لم تتح لها ضغوط العمل ممارستها بعد تقاعدها في عام 2020 إثر 23 عاماً من العمل في جهة حكومية.

بدأت لبنى بعد التقاعد البحث عن اهتمامات جديدة، فانضمت إلى ورش لتعلم الرسم، ولا تزال تمارس هذه الهواية، موضحة أن التجربة لم تسهم فقط في تطوير قدراتها الفنية، بل أتاحت لها أيضاً بناء علاقات اجتماعية جديدة.

كما انضمت إلى حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، وتمكنت من حفظ ستة أجزاء، وتواصل سعيها لإكمال الحفظ.

اقترحت توفير فرص عمل مرنة للمتقاعدين، تشمل الوظائف الجزئية والعمل عن بُعد، عبر منصات رسمية تشرف عليها الجهات المعنية، بما يتيح لهم استثمار خبراتهم، ويدعم استقرارهم المالي، ويحميهم من الوقوع ضحايا للإعلانات الوهمية المتعلقة بالوظائف.

الاستعداد المبكر للمرحلة الجديدة

على الرغم من أن سعيد إسماعيل لم يصل بعد إلى التقاعد، فإنه بدأ الاستعداد لهذه المرحلة قبل نحو عامين، بعدما أدرك أن ضمان الانتقال الآمن من الراتب الوظيفي إلى المعاش التقاعدي يحتاج إلى خطة طويلة المدى لا إلى قرارات تتخذ في السنوات الأخيرة من الخدمة.

قال إسماعيل (39 عاماً)، الذي أمضى 14 عاماً في وظيفة ميدانية، إنه يعمل على تنويع مصادر دخله حتى تكون مرحلة التقاعد مستقبلاً سهلة ومستقرة، ولا ينعكس تغير الدخل على احتياجات أسرته والتزاماتها الأساسية.

أوضح أن الدافع الأكبر وراء تخطيطه المبكر يتمثل في ضمان توفير احتياجات طفليه من أصحاب الهمم، خصوصاً الجلسات العلاجية والتقييمات المستمرة المرتبطة بحالتيهما.

من جانبه، أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور أحمد العموش أهمية فهم ما يُعرف بـ”سيكولوجية التقاعد” أو علم نفس التقاعد، التي تقوم على استيعاب طبيعة مرحلة ما بعد العمل، والاستعداد لما يصاحبها من تغيرات نفسية واجتماعية وصحية.

أوضح أن الموظف يحتاج إلى إدراك أن مسيرته المهنية، مهما امتدت، ستصل في مرحلة ما إلى نهايتها، ومن ثم يتعين عليه وضع تصور واضح لحياته بعد الخروج من العمل.

أشار إلى أن بعض الأشخاص يخططون لمستقبلهم منذ بداية حياتهم المهنية، ويحددون المدة المتوقعة لعملهم بـ20 أو 25 عاماً، وفق طبيعة جهة العمل ونظام التقاعد، بالتزامن مع تكوين مدخرات ووضع خطط للسفر أو تغيير مكان السكن أو ممارسة أنشطة جديدة.

أضاف أن تعلق بعض الموظفين بالعمل يستمر حتى آخر يوم في الخدمة، وعندما يغادرونه بصورة مفاجئة قد يتعرضون لصدمة نفسية، نتيجة فقدان الروتين اليومي والدور المهني والعلاقات المرتبطة ببيئة العمل.

أشار إلى أن عدم الاستعداد لهذه المرحلة قد يؤثر في حياة المتقاعد وصحته، ويزيد الضغوط النفسية لدى المصابين بأمراض مزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، خصوصاً عند غياب خطة واضحة تملأ الفراغ الذي تتركه الوظيفة.

أوضح أن المحيط الاجتماعي قد يسهم أحياناً في تعزيز شعور المتقاعد بفقدان قيمته، عندما ينظر إليه على أنه لم يعد يؤدي دوراً بعد خروجه من العمل، فيما يربط بعض الأشخاص تقديرهم لذواتهم بالوظيفة أو المنصب الذي كانوا يشغلونه.

أكد العموش أن قيمة الإنسان لا تنتهي بانتهاء وظيفته، وأن التقدير الذاتي يجب ألا يكون مرتبطاً بالمسمى المهني وحده، مشيراً إلى أهمية الدعم الذي تقدمه الأسرة والأصدقاء والجيران وجهة العمل في مساعدة المتقاعد على التكيف مع نمط حياته الجديد.

بدورها، قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي إن الاستعداد للتقاعد يجب أن يبدأ خلال سنوات العمل من خلال بناء تصور متكامل للحياة المستقبلية، يشمل الجوانب الشخصية والاجتماعية والمالية، وتحديد الأنشطة أو المجالات التي يمكن للموظف الانتقال إليها بعد انتهاء خدمته.

دعت إلى تنظيم ورش للموظفين أثناء الخدمة، لتعريفهم بطبيعة مرحلة التقاعد ومتطلباتها، وإعدادهم للانتقال إليها تدريجياً، لافتة إلى أن كثيراً من الأشخاص لا يبدأون التفكير في حياتهم بعد الوظيفة إلا عند اقتراب موعد التقاعد.

أكدت أن فهم مرحلة ما بعد العمل لا يقل أهمية عن معرفة متطلبات الوظيفة نفسها، إذ يحتاج الموظف إلى الاستعداد النفسي والاجتماعي، وتحديد اهتماماته المستقبلية، وبناء شبكة من العلاقات والأنشطة التي لا تعتمد بصورة كاملة على بيئة العمل.

حذرت الكندي من إغفال الجانب المالي، إذ ينتقل كثير من الموظفين من راتب وظيفي مرتفع إلى معاش تقاعدي أقل دون تعديل نمط إنفاقهم أو الاستعداد لهذا التغير، ما قد ينعكس على التزاماتهم الأسرية واستقرارهم النفسي.

دعت الموظفين إلى وضع خطة زمنية ومستقبلية ومالية قبل انتهاء الخدمة بوقت كافٍ، تشمل إدارة المصروفات وتكوين المدخرات، إلى جانب تحديد الأنشطة أو الأعمال التي يرغبون في ممارستها، بما يضمن انتقالاً أكثر استقراراً إلى مرحلة التقاعد.

أكدت أهمية انخراط المتقاعدين في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، لما لذلك من أثر إيجابي في الحفاظ على صحتهم النفسية، وتعزيز شعورهم بالإنجاز والانتماء والقدرة على التأثير.

أشارت إلى أن المؤسسات الخاصة والمستشفيات والجهات المجتمعية تستطيع الاستفادة من خبرات المتقاعدين، كل وفق تخصصه واهتماماته، مؤكدة أن العمل التطوعي يساعدهم على بناء روتين جديد، وتكوين علاقات اجتماعية متجددة، ومواصلة أداء دور فاعل في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *