نولان يعيد إحياء ملحمة أوديسيوس في فيلم جديد مع مات ديمون

بعد مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام على ولادتها، تعود ملحمة «الأوديسة» إلى الحياة من جديد، لكن هذه المرة على شاشة السينما. المخرج كريستوفر نولان يتولى إخراج فيلم مقتبس من هذه الملحمة الخالدة، ويؤدي النجم مات ديمون دور البطل أوديسيوس، إلى جانب نخبة من الممثلين مثل آن هاثاواي وتوم هولاند وروبرت باتنسون. وكأن الملحمة لم تكن تنتظر سوى عدسة كاميرا لتحول هدير البحر إلى صورة حية وارتطام المجاديف بالماء إلى نبض متدفق.
رحلة العودة: بين العواصف والوحوش
تحكي الملحمة قصة أوديسيوس، ملك جزيرة إيثاكا، الذي يشرع في رحلة العودة إلى زوجته بينيلوبي بعد انتهاء حرب طروادة. ما كان من المفترض أن يستغرق أسابيع قليلة تحول إلى عشر سنوات طويلة، تقاذفته خلالها العواصف العاتية والوحوش المرعبة. واجه العملاق الأعور ذا العين الواحدة، ونجا من سيرسي الساحرة التي تحول الرجال إلى خنازير، وقاوم غناء الحوريات الفاتن الذي يجذب البحارة نحو الصخور المهلكة. لكن خصمه الحقيقي كان الزمن نفسه؛ فكل موجة كانت تؤخره، وكل جزيرة كانت تعرض عليه حياة جديدة ومغامرة مختلفة.
بينيلوبي: نسيج الصبر والانتظار
لم يكن هدف أوديسيوس من عبور البحر اكتشاف عوالم جديدة، بل كان حلمه الوحيد هو العودة إلى بيته، أن يلمس خشب سريره ويطأ تراب جزيرته. وفي الجانب الآخر، كانت زوجته بينيلوبي تتصدى لخطّابها المُلحّين، واعدة إياهم بالزواج بعد أن تفرغ من نسج كفن لوالد زوجها لائرتيس. كانت تنسجه نهاراً أمام أعين الجميع، ثم تنقض ليلاً لتفك ما أحكمته أصابعها. وهنا يبرز السؤال الجوهري للملحمة: هل يعود المسافر إلى نفس المكان الذي غادره، أم أنه يعود غريباً يقف أمام بابه غير قادر على التعرف عليه؟
هوميروس في الثقافة العربية: بين الفلسفة والأسطورة
وصل الشاعر هوميروس إلى الثقافة العربية مستنداً إلى كتف الفيلسوف أرسطو وكتابه «فن الشعر». فقد ترجم العرب نظرية القصيدة الأرسطية، لكنهم لم ينقلوا قصائد هوميروس نفسها. ففي هذه القصائد تهبط الأساطير وتمشي بين البشر، وتغار وتتخفى في أجساد الغرباء، بينما ينتفض البحر كائناً له ذاكرة وثأر. لقد فتح المترجمون العباسيون أبواب بغداد لطب اليونان وفلسفتهم وفلكهم، وأجلسوا أرسطو إلى موائد الدرس، لكن شعر هوميروس ظل واقفاً على العتبة لم يدخل.
السندباد وأوديسيوس: ابن بحر حكائي واحد
لكن الحكايات أقدر من الكتب على عبور الحدود؛ فهي تسافر بلا جوازات، وتتسلل بين المرافئ في أفواه البحّارة. ففي رحلات السندباد من «ألف ليلة وليلة» نجد جزراً مجهولة، وعمالقة تكسر عظام الرجال، وأطعمة مسحورة تسلب الآكلين صورتهم البشرية؛ حتى ليبدو كأن ظل أوديسيوس دخل الكهف قبله. وليس ذلك دليلاً على اقتباس مباشر؛ فالبحر المتوسط لم يكن جداراً، بل صفحة ماء حملت السفن والسلع والأساطير بين اليونان ومصر.
يعيد نولان الملحمة إلى عصر الصورة، ويذكرنا بأن أوديسيوس والسندباد ابنا بحر حكائي واحد. تختلف مراكبهما وآلهتهما، لكن الملح نفسه يجف على وجهيهما، والخوف نفسه يقبض على أصابعهما، والحنين نفسه يدفعهما، بعد العواصف والأعاجيب، إلى طرق باب البيت.



