كيف تبني تقاعداً آمناً: خمس ركائز وأخطاء شائعة

حذر خبراء المال من أن كثيراً من العاملين الذين أمضوا سنوات طويلة في وظائف ثابتة يواجهون صعوبات مالية عند الانتقال إلى مرحلة التقاعد، رغم تطلعاتهم إلى حياة هادئة ومطمئنة. ويرجع ذلك إلى اعتمادهم شبه الكلي على الراتب الشهري خلال فترة الخدمة، وتأجيلهم للادخار والاستثمار، واستمرارهم في سداد القروض والالتزامات طويلة الأجل. هذه العوامل تؤدي إلى توسيع الفجوة بين ما يحصلون عليه من دخل تقاعدي وما يحتاجونه فعلياً.
الأخطاء السبع التي تعرقل الاستقرار المالي
أشار الدكتور جهاد فيتروني، الرئيس التنفيذي لشركة «يو إي إس» وخبير التأمين، إلى مجموعة من الأخطاء التي يقع فيها الأفراد عند التخطيط لتقاعدهم. أولاً، تأجيل بدء التخطيط يعتبر من أكثر الأخطاء انتشاراً، حيث ينظر كثيرون إلى التقاعد كمرحلة بعيدة ولا يستغلون الوقت المتاح لتحقيق نمو تراكمي لأموالهم. ثانياً، يضع البعض كل آمالهم على راتب التقاعد أو مكافأة نهاية الخدمة، متجاهلين أن هذه المبالغ قد لا تكفي لتغطية احتياجاتهم على المدى الطويل.
ثالثاً، يقلل البعض من تأثير التضخم على القوة الشرائية للمدخرات، ولا يستثمرون بطرق تحافظ على قيمة أموالهم. رابعاً، يفتقر البعض إلى تنويع مصادر الدخل ولا يتبعون استراتيجيات استثمارية متوازنة تناسب أعمارهم ومستوى تحملهم للمخاطر. وأخيراً، يؤجل الكثيرون الادخار ويعتمدون على مصدر دخل وحيد، ما يولد فجوة مالية قد تهدد استقرار المتقاعد.
الرؤى الاقتصادية حول الأخطاء المالية
أوضح الدكتور جمال السعيد، مستشار شؤون الاستثمار وريادة الأعمال، أن الاعتماد الكلي على المعاش التقاعدي دون بناء مدخرات أو استثمارات إضافية يشكل أحد الأخطاء الجوهرية. كما أشار إلى أن زيادة القروض والالتزامات طويلة الأجل واستهلاك معظم الدخل خلال سنوات العمل يترك المتقاعد دون احتياطي للطوارئ أو لتغطية النفقات المستقبلية المتعلقة بالصحة أو سكن الأبناء.
وذكر السعيد أن تقدير القدرة المالية بعد التقاعد يجب أن يستند إلى حسابات دقيقة لتحديد الفجوة المحتملة بين الدخل والنفقات. وأكد أن تنويع مصادر الدخل والبدء المبكر في الادخار وتخفيف الديون هي شروط أساسية لتخطيط تقاعدي ناجح. وأوضح أن الخطة المثالية تستند إلى خمس ركائز: تحديد الأهداف المالية المستقبلية، تخصيص جزء ثابت من الدخل للادخار والاستثمار بانتظام، مراجعة الالتزامات المالية بصفة دورية والعمل على تقليل الديون، تنويع مصادر الدخل عبر استثمارات مدروسة أو أصول مدرة للدخل، وإجراء مراجعة سنوية للخطة لضمان توافقها مع المتغيرات الاقتصادية والشخصية.
التحضير لسنوات الراحة من منظور اجتماعي وأسرى
أضاف الدكتور عبدالله موسى، مستشار أول في الشؤون الإسلامية وخبير التحكيم الأسري بمحاكم دبي، أن التخطيط المبكر للتقاعد يسهم في بناء استقرار مالي يضمن حياة آمنة بعد انتهاء الخدمة. وأوضح أن بعض المتقاعدين يواجهون صعوبات نتيجة تأخر الزواج، ما يفرض عليهم تحمل قروض والتزامات مالية تستمر حتى مرحلة التقاعد، وبالتالي يتحول سداد القروض إلى عبء يثقل كاهلهم.
وحث الموسى الشباب على عدم الانتقال المتكرر بين الوظائف وتأجيل استلام المستحقات التقاعدية أو مكافآت نهاية الخدمة، لأن ذلك قد يقلل من حجم الدخل المتاح بعد التقاعد. ودعا إلى وضع أهداف مالية واضحة منذ بداية المسيرة المهنية ومراجعتها بانتظام، مع تنويع مصادر الدخل عبر الادخار والاستثمار والتأمين وخطط التقاعد المتنوعة، وإنشاء صندوق طوارئ مستقل عن مدخرات التقاعد.
آثار عدم الاستعداد المبكر وتدابير الدعم الحكومي
أكد الدكتور سيف راشد الجابري، أستاذ الثقافة والمجتمع في عدد من الجامعات الإماراتية، أن تداعيات عدم الاستعداد المالي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية. فمع انخفاض الدخل واستمرار الالتزامات، قد تتصاعد الضغوط داخل الأسرة وتظهر خلافات حول المصاريف، خاصة إذا كان الأبناء لا يزالون في مرحلة الدراسة أو يعتمدون مالياً على الأسرة. كما قد يشعر المتقاعد بفقدان دوره الاجتماعي، ما يؤدي إلى العزلة أو التوتر النفسي.
وأشار الجابري إلى ضرورة التخطيط لتقاعد يبدأ قبل 10 إلى 15 عاماً على الأقل، لتوفير الوقت الكافي لتجميع مدخرات كافية وإعادة ترتيب الالتزامات المالية تدريجياً. وأكد أن تنويع مصادر الدخل من خلال استثمارات آمنة أو أصول مدرة للعائد هو أحد أهم السبل لتعزيز الاستقرار المالي وتجنب الاعتماد الكلي على المعاش.
في إطار دعم المتقاعسين، أطلقت الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية خدمة الاستشارات التقاعدية عبر منصة «معاشي» الرقمية. تهدف الخدمة إلى تقديم إرشادات قانونية وفنية دقيقة حول نظام المعاشات، وتساعد المستفيدين على فهم الإجراءات والحقوق والواجبات، ما يسهّل عملية التخطيط للتقاعد واتخاذ قرارات مستنيرة.
ست نصائح من صندوق أبوظبي للتقاعد لحياة ما بعد التقاعد
يؤكد صندوق أبوظبي للتقاعد أن تحسين جودة الحياة الاجتماعية بعد التقاعد يتطلب تبني ست نصائح عملية. أولاً، يجب إدراك التحولات الاجتماعية التي قد تطرأ على العلاقات والمكانة بعد التقاعد وتقبلها لتجنب فقدان الروابط الاجتماعية. ثانياً، تحليل الأدوار الوظيفية التي قد يفتقدها المتقاعد وإعادة تنظيم النشاطات اليومية لتشمل مهام جديدة تحافظ على الشعور بالإنجاز.
ثالثاً، إعادة هيكلة النشاطات الاجتماعية وتحديد أهداف واهتمامات جديدة تملأ الفراغات التي خلفها العمل. رابعاً، تنمية المهارات والمعارف الاجتماعية لضمان التكيف الفعال مع التغييرات في العلاقات الأسرية والمجتمعية. خامساً، الحفاظ على التواصل الفعّال مع الأبناء والأحفاد لتقوية الروابط العائلية. وأخيراً، الاستمرار في تنمية القدرات الشخصية عبر التدريب والأنشطة التي تعزز الشعور بالانتماء والقدرة على العطاء.



