محمد بن راشد: العمل العام يستوجب تحمل النقد وافعل الصواب ودعهم يتحدثون

أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ضمن منشوراته عبر وسم “علمتني الحياة”، أن طبيعة العمل العام تحمل معها النقد الذي لا بد من تقبله. واختصر سموه رؤيته القيادية خلال مسيرته بعبارة: “افعل الصواب.. دعهم يتحدثون”.
النقد ثمن الإبداع والاختلاف
أوضح سموه أن التفكير بمنهجية مختلفة، أو بناء شيء لم يألفه الناس أو لا يستوعبونه في زمانه، يجلب النقد من ذوي النظرة المحدودة ومن يفتقرون إلى البصيرة لاستشراف المستقبل. وأضاف أن العمل العام بطبيعته يثير الانتقادات، ويجب تحملها، قائلاً: “علمتني الحياة أن التفكير بطريقة مختلفة، أو بناء شيء لم يعتد عليه الناس أو لا يفهمه الناس في وقته يجلب النقد من أصحاب النظرة الضيقة وممن لا يملكون البصيرة لرؤية المستقبل.. طبيعة العمل العام أنه يجلب النقد.. ولا بد أن تتحمل، افعل الصواب.. دعهم يتحدثون، أما إذا أردت رضا الناس الكامل فلا تقل شيئاً.. ولا تفعل شيئاً.. ولا تكن شيئاً”.
مشاريع دبي شواهد على تجاوز النظرة الضيقة
صِيغت كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على مدى عقود من صنع المستحيل في تجربته القيادية التي تؤمن بالعمل المستمر والإنجاز المتواصل. وتسلسله “علمتني الحياة” هو بيان قيادي ووصية عملية ومنهج حياة لكل من يسعى لترك بصمة في العالم، وهو في جوهره سيرة ذاتية موجزة لرجل صنع من الصحراء معجزة، ومن النقد وقوداً، ومن التحديات جسوراً إلى المستقبل.
بدأ سموه منشوره بعبارة تحمل درساً عميقاً: الإبداع والاختلاف يجلبان النقد حتماً، متسائلاً عن سبب الانتقاد ورفض الجديد. ووفق رؤيته، قيل في دبي: سنبني ميناء في الصحراء، ونجعل من هذه البقعة ذات المناخ الحار وجهة سياحية عالمية، ونطلق مسباراً إلى المريخ، وقتها وقف العالم في ذهول مع بعض التصديق أو عدمه، وكثر المشككون والمرجفون، ليس لأن الفكرة غير مألوفة، بل لأنها تتحدى المألوف. ووجه سموه كلمته لأصحاب النظرة الضيقة وممن لا يملكون البصيرة لرؤية المستقبل.
فعلى سبيل المثال، قيل عن ميناء جبل علي إنه ميناء في غير موقعه ولن تأتيه السفن، واليوم هو أحد أكبر الموانئ عالمياً وقلب التجارة العالمية النابض. وكشفت الأيام أن تلك الآراء كانت لأصحاب نظرة ضيقة لا يمتلكون رؤية المستقبل بعين قائد يعتبر المستحيل ممكناً بالتخطيط الجيد والتنفيذ المحكم، وسرعة الوصول إلى الإنجازات وعدم التوقف عندها، عبر نهج يؤمن بأن أي مشروع عملاق تحقق بعد أن كان حلماً هو بداية لمشروع أكبر.
وأما طيران الإمارات، فقيل إنها لا تستطيع المنافسة، واليوم هي أفضل شركة طيران في تاريخ الطيران المدني بحسب تصنيفات ومؤشرات عالمية. ونالت السياحة في دبي نصيبها من الانتقاد في بداياتها، فقيل إن السائح لن يأتي إلى بيئة صحراوية، واليوم تستقبل دبي ملايين الزائرين وتنافس بل تتصدر مدناً عريقة في السياحة كأهم الوجهات على خريطة السياحة العالمية. ومسبار الأمل قيل إن دولة حديثة النشأة لا تستطيع منافسة الدول العظمى في الفضاء، واليوم يحلق المسبار في مدار المريخ مسجلاً اسم الإمارات عالياً في سجل الأمم التي غزت الفضاء. كل هذه المشاريع جمعت بين الجرأة في التفكير والإصرار على التنفيذ، وفق نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في القيادة.
افعل الصواب ولا تنتظر رضا الجميع
انتقل سموه في حديثه إلى القاعدة الذهبية: من يعمل في الميدان يكون هدفاً للنقد، ومن يبقى في المدرجات يكون ناقداً ومتفرجاً. وتركيز سموه ينصب على العمل العام لأنه يؤثر في الناس ويغير واقعهم، ويقدم نهجاً تعليمياً جديداً بأن دور القائد الحقيقي في أن يميز بين النقد الموضوعي والنقد العاطفي، وبين الاعتراض البناء والرفض المانع.
وجاءت وصية “افعل الصواب.. دعهم يتحدثون”، فالصواب في فلسفة سموه هو ما تراه أنت بعد رؤية وبصيرة بأنه الخيار الأفضل للأجيال القادمة، إنها البوصلة الداخلية التي تتشكل من التجربة والمعرفة والإيمان بالرسالة. وهذا ما يفسر كيف سبقت دبي غيرها في مجالات عديدة: من الذكاء الاصطناعي، إلى الطاقة النظيفة، إلى الفضاء، إلى التعليم، إلى الصحة، دبي صنعت إجماعاً جديداً بإنجازاتها.
أما الوصية الأهم “دعهم يتحدثون” فتعني أن ليس كل صوت يستحق الرد، وليس كل ناقد يستحق الالتفات إليه. هناك فرق بين النقد الذي يصحح مسارك والنقد الذي يحاول إيقاف مسارك، الأول تستمع له وتستفيد منه، والثاني تتجاوزه وكأنه لم يكن.
وذروة الوصايا كانت “إذا أردت رضا الناس الكامل فلا تقل شيئاً.. ولا تفعل شيئاً.. ولا تكن شيئاً”، وهي الأكثر تأثيراً وعمقاً، حيث تحمل ثلاثية مضامين القول، ثم الفعل، ثم الوجود؛ لأن الناس مختلفون ومن يحاول إرضاء الجميع ينتهي به المطاف إلى إرضاء لا أحد وخسارة نفسه في المنتصف.
جسّد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بفكره وتجربته وفلسفته أن التاريخ يحكم على الإنجاز، وهو الذي مضى قدماً في مشاريعه رغم كل النظرات الضيقة. واليوم، بعد عقود، لم يعد أحد يتذكر الناقدين، لكن الجميع يتذكرون الموانئ والمطارات والمدن والفضاء والتعليم والصحة. صاحب التجربة الكبيرة: ليس المهم كم يتحدثون عنك، بل المهم ماذا تفعل.
وستبقى كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الخالدة نبراساً لكل من يسلك طريق الإبداع والتميز، وهي وثيقة قيادية، ومنهج حياة، وخلاصة تجربة رجل صنع من الصحراء وطناً، ومن الحلم واقعاً، ومن النقد وقوداً، ومن التحديات فرصاً. وهي في جوهرها دعوة مفتوحة لكل إنسان يريد أن يكون شيئاً في هذه الحياة.



