محاكم دبي المالي العالمي تقوي جاذبيتها للاستثمارات الدولية

اختيار المحاكم كمركز للثقة
أكد القاضي علي شامس المدحاني، نائب رئيس محاكم مركز دبي المالي العالمي، أن قرار الشركات والمستثمرين من خارج الدولة باللجوء إلى محاكم المركز للفصل في خلافاتهم يعكس مستوى الثقة الذي حققته المنظومة القضائية وسمعتها. وأضاف أن هذا الاختيار يأتي كجزء من البنية المتكاملة التي أنشأتها دبي لترسيخ مكانتها كمركز مالي عالمي، حيث لم تقتصر الفكرة على مجرد جذب رؤوس الأموال، بل بدأت منذ البداية ببناء بيئة اقتصادية وقانونية وقضائية متكاملة توفر للشركات العالمية البنية التحتية والتشريعات والقضاء المتخصص اللازم لممارسة الأعمال بثقة ومعايير دولية. وأشار إلى أن توفير الحماية القانونية والقضائية كان عاملاً حاسماً في قرار المستثمر بالدخول إلى السوق وتوسيع أنشطته فيه.
ولفت إلى أن فهم الرؤية التي قامت عليها دبي في إنشاء مركز دبي المالي العالمي يتطلب العودة إلى ما قبل عام 2001، حين كان النشاط الاقتصادي والاستثماري العالمي يتركز أساساً في الولايات المتحدة وسويسرا وبعض الدول الأوروبية، بينما كان الاستثمار في المنطقة مقتصراً على القطاع العقاري وبعض الأنشطة التقليدية، وكانت المنطقة بعيدة عن تدفقات رؤوس الأموال المرتبطة بالأسهم والسندات الدولية وحركة النمو الاقتصادي. هذا الواقع استدعى اتخاذ خطوات استباقية لبناء مركز مالي قادر على استقطاب الاستثمارات العالمية، وهو ما تجسد في تأسيس مركز دبي المالي العالمي كمنطقة ذات بنية تحتية متقدمة، بالتوازي مع إنشاء منظومة قضائية متخصصة في السوق المالي تمنح المستثمر ضمانة حقيقية بأن حقوقه وعقوده واستثماراته ستُنظر أمام جهة قضائية قادرة على التعامل مع طبيعة النزاعات المالية والتجارية وفق معايير دولية.
إجراءات سريعة ومتوازنة
خلال لقاء مع منصة «عرب كاست» بودكاست ق.ن الذي يقدمه أحمد الزرعوني، أوضح المدحاني أن دبي لم تنتظر تغير الظروف، بل اتخذت مبادرات استباقية من خلال زيارة المؤسسات المالية العالمية والأسواق والمراكز الاقتصادية الكبرى، ولقاء الشركات والمستثمرين وسؤالهم عن أسباب غيابهم عن المنطقة والتحديات التي تحول دون توسعهم فيها. تبين أن جزءاً مهماً من هذه التحديات كان قانونياً وقضائياً؛ فال مستثمر لا يبحث فقط عن فرصة استثمارية، بل يريد معرفة كيف ستحمى حقوقه، وما القانون الذي سيُطبق، وأين سيلجأ إذا نشأ نزاع.
وبين أن المستثمرين الدوليين كانوا معتادين على أنظمة قانونية متنوعة مثل القانون السويسري والصيني والروسي، وكانت الشركات الكبرى تمتلك فرقاً قانونية تتابع القضايا والأحكام والمبادئ القانونية المنشورة في المجلات القانونية العالمية، وهو ما كان غائباً عن محاكم الشرق الأوسط حيث كانت بعض الأحكام تنشر باللغة العربية، ما يمثل عائقاً للفرق القانونية العالمية في الوصول إلى المعرفة وفهم النظام القضائي العربي.
أما فيما يتعلق باختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي، فقد أوضح المدحاني أن هذه المحاكم ملزمة بالنظر في القضايا التي تنشأ ضمن نطاق المركز واختصاصه، سواء كانت النزاعات بين الشركات أو بين الشركة والجهات أو الهيئات أو الموظفين، ما لم يوجد اتفاق صريح بين أطراف النزاع يختار جهة أخرى ضمن الخيارات القانونية المتاحة. وأشار إلى وجود نحو 8800 شركة مرخصة في المركز وربط نحو 70 ألف شخص يومياً بأنشطة هذه الشركات والتعاملات المرتبطة بها، ما يعكس حجم البيئة الاقتصادية داخل المركز.
وأكد أن الشريحة التي تلجأ إلى محاكم المركز تتمتع بدرجة عالية من الوعي القانوني والاستثماري، وأن إحدى نقاط القوة التي جعلت المستثمرين يفضلون هذه المحاكم هي إمكانية التقاضي وفق قوانين مختلفة، بما في ذلك القانون الصيني والروسي والسويسري والهولندي وغيرها. وعند اختيار الأطراف للقانون الذي يريدون تطبيقه، تطلب المحكمة من المتقاضي تحديد القاعدة القانونية والمواد التي يعول عليها ومصدرها، ليكون تطبيق القانون قائماً على أساس واضح؛ وإذا لم يختر المتقاضون القانون، تُطبق المحكمة قانون محاكم المركز وفق القواعد المنظمة لذلك. وأضاف أن هذه المرونة القانونية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل من الأساسيات التي جعلت الناس والشركات تلجأ إلى محاكم دبي المالي العالمي لأنها تمنح المستثمر القدرة على الدخول في علاقة تجارية وهو يعرف مسبقاً الإطار القانوني الذي قد يحكم النزاع إذا وقع.
وأوضح أن بعض النزاعات يكون أطرافها خارج الدولة وليس لهم نشاط داخلها، ومع ذلك يختارون محاكم المركز بسبب الثقة بالنظام القضائي وسمعة محاكم مركز دبي المالي العالمي.
في ما يخص سرعة الفصل في القضايا، أكد نائب رئيس محاكم مركز دبي المالي أن السرعة لا تعني التضحية بحقوق المتقاضين، موضحاً أن المحكمة لديها مؤشرات لقياس مدة القضايا، لكن المدة لا تُحدد فقط وفق قيمة المطالبة، ولا تُصنف القضايا ببساطة إلى صغيرة وكبيرة، بل وفق حجم التعقيد. وذكر أن بعض القضايا التي تقل قيمتها عن مليون درهم وتُسلك المسار المخصص لها تنجز خلال نحو أربعة أسابيع إذا لم تكن هناك تعقيدات، بينما القضايا الأخرى تحدد مدتها بحسب طبيعتها وحجمها وعدد المستندات والشهود والمسائل القانونية والفنية المرتبطة بها، وقد تنجز بعض القضايا التجارية الكبرى خلال نحو ستة أشهر، فيما قد تمتد قضايا أخرى إلى 18 شهراً.
وشدد على أن الحق مقدم على الإجراء وأن المحاكم لا تسمح بأن يتحول الإجراء إلى عائق أمام الوصول إلى الحق، مشيراً إلى أن المحكمة قد تتعامل حتى مع مسائل مرتبطة بالتقادم بطريقة تضمن عدم إهدار الحق لمجرد وجود عائق إجرائي، لأن الهدف النهائي هو الوصول إلى العدالة.
وأشار إلى أن محاكم مركز دبي المالي العالمي لديها قضاة يتمتعون بمستوى عالٍ من الثقة والخبرة، وأن النظام القضائي يعتمد على قضاة قادرين على التعامل مع القضايا المعقدة واستيعاب طبيعة النزاع، موضحاً أن قوة القاضي وخبرته في فهم القانون والوقائع عنصر أساسي في نجاح المنظومة القضائية. ولفت إلى أن المرافعات أمام القاضي قد تستمر لفترات طويلة، تصل في بعض القضايا إلى أسبوع أو أسبوعين، ما يسمح لكل طرف بأن يقدم كل ما لديه، وهناك ضمانات متعددة لحماية حقوق المتقاضين، من بينها تسجيل الجلسات بالصوت والصورة بحيث لا يستطيع القاضي اختصار مرافعات المتنازعين بصورة تؤثر في حقهم في الدفاع.
وأضاف أن الجلسات تبث مباشرة وفق النظام المتبع ويمكن متابعتها من مختلف دول العالم لكل من يرغب في مشاهدتها، كما تتم أرشفتها على المنصات الرقمية، ومن بينها «يوتيوب»، مما يعزز الشفافية وإمكانية الرجوع إلى ما جرى في الجلسات.
التعامل مع القضايا المعقدة والتكنولوجيا
وأكد أن إدارة القضية لا تقتصر على تطبيق الإجراءات بصورة جامدة، بل تقوم على تحقيق التوازن بين كفاءة الإجراءات والوصول إلى الحقيقة، وضرب مثالاً بطلب قد يقدمه أحد الأطراف لإضافة شاهد قبل أسبوع واحد من موعد الجلسة في قضية تنظرها المحاكم بقيمة أربعة مليارات درهم بعض أطرافها في الدولة وآخرين خارجها. وبين أن المحكمة لا تنظر إلى توقيت الطلب فقط، بل تدرس أثره في القضية وحقوق الطرف الآخر ومدى ارتباط الشاهد بالحقيقة التي تسعى المحكمة إلى الوصول إليها.
وبين أن القضايا التي تنظرها محاكم المركز تشمل نزاعات تجارية ومالية شديدة التعقيد، من بينها معاملات نقل الأسهم وصفقات عابرة للحدود ونزاعات مرتبطة بالعقارات والأسواق المالية وشركات التأمين وغيرها من القطاعات، وفي بعض الأحيان لحقوق المحامين، حيث حكمت المحكمة لصالح أحد المحامين بأتعاب مليون دولار. ولا تقتصر هذه القضايا على النزاعات المالية والتجارية المعقدة، بل تمتد أحياناً إلى تفاصيل تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن طبيعة المحاكم المالية، ومن ذلك قضية امرأة استخدمت شعراً مستعاراً في صالون نسائي داخل أحد المنشآت العاملة في مركز دبي المالي العالمي، ثم تقدمت بشكوى بشأن أضرار لحقت بها نتيجة المواد المستخدمة في تصنيعه، وعندما توجهت لرفع قضية للمحاكم في خارج المركز تم توجيهها إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي باعتبار أن الواقعة حدثت داخل منطقة اختصاصها.
وفي المقابل، تصل إلى المحكمة قضايا بالغة التعقيد تجمع بين التكنولوجيا والتمويل والعقود والمسؤوليات العابرة للحدود، من بينها قضية طالبت فيها جهة بتعويض عن تأخر إطلاق قمر اصطناعي نتيجة إخفاق مرتبط بمنصة إطلاق الصواريخ، ما يعكس اتساع نطاق المنازعات التي أصبحت المحكمة تتعامل معها، وتنوعها بين قضايا مالية وتجارية تقليدية وأخرى ترتبط بتقنيات وقطاعات حديثة تتطلب معرفة قانونية وفنية متخصصة.
وفي مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، أكد المدحاني أن المنظومة القضائية تواكب بدورها التطورات التي يشهدها الاقتصاد، خصوصاً مع تنامي المعاملات الرقمية وظهور أنواع جديدة من الأصول والنزاعات. وأشار إلى تخصيص قاضٍ للفصل في القضايا التي تتعلق بالعملات ضمن المنظومة، مبيناً أنه تم النظر مؤخراً في ثلاث قضايا من هذا النوع، ما يؤكد أن العملات والأصول الرقمية أصبحت واقعاً اقتصادياً يفرض على القضاء فهماً قانونياً وفنياً متقدماً.
كما أكد في هذا السياق أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي، خصوصاً مع ضخامة المعلومات التي تتضمنها بعض القضايا التجارية. وذكر أنه تعامل مؤخراً مع قضية تتكون من 75 ألف مستند لذلك تم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في البحث داخل هذا الكم الهائل من الوثائق، والوصول إلى المعلومات المطلوبة وربط المستندات ذات الصلة وتلخيص البيانات، ما يختصر وقتاً وجهداً كبيرين ويرفع كفاءة التعامل مع الملفات القضائية المعقدة. وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال لا يزال في مرحلة تجريبية، مؤكداً أن دوره يتمثل في مساعدة القاضي على الوصول إلى المعلومة وإدارة الكم الكبير من الوثائق.
وفيما يتعلق بتمكين المحامين، أكد المدحاني أن محاكم المركز تلتزم بقواعد التمثيل والممارسة القانونية وفق المعايير العالمية، بما يفتح المجال أمام المحامين للمشاركة في القضايا، ومن بينهم المحامون الإماراتيون. وبين أن تمكين المحامين المواطنين من التعامل مع هذا النوع من القضايا يمثل جزءاً من بناء الخبرة القانونية الوطنية القادرة على مواكبة الاقتصاد العالمي.
وبخصوص دقة الأحكام في قضايا محاكم المركز المالي وإدارة التقاضي، أشار إلى أن نحو 90 % من القضايا تنتهي دون استئناف، بينما يتم استئناف نحو 10 % منها، ويرفض الاستئناف في نحو 5 %، بينما يقبل في نحو 5 %. واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس مستوى الاستقرار الذي تحققه الأحكام الصادرة عن المحكمة، ومستوى الثقة بها لدى المتقاضين.



