ست سنوات من الظلام تنتهي بضياء «إرادة»: قصة شاب عانى الإدمان وتعافى

لم تدمِّن سعادة طفولته على وجود نهايات مأساوية؛ فقد كان سعيد طفلاً محبّاً يملأ المنزل بهجةً وحضوراً، متفوقاً دراسياً، نشأ في أسرة كبيرة محاطة بالدفء. كيف تحوّل هذا الطفل إلى مدمن مخدرات؟
الشباب والنمو الاجتماعي
في مرحلة شبابه، برز سعيد كنموذج للشاب الاجتماعي الإيجابي؛ كان قريباً من الجميع، ومصدراً للدعم النفسي لبعض أصدقائه الذين سبقوه في دوامة الإدمان. كان يضطلع بدور الناصح، يرافق الأمهات القلقة، ويسعى لإنقاذ من يقتربون من التعاطي.
التحول إلى الإدمان
رغم إدراكه لفظائع الإدمان وآثاره المدمرة على حياة من يَسقَطُ في فخّه، لم يستطع سعيد أن يفلت من السقوط المدوي. جاء التحول الحقيقي عندما بلغ الثامنة والعشرين من عمره، حيث خضع لعملية جراحية معقّدة استلزمته تناول مسكنات قوية لتخفيف الألم الذي فاق تحمله.
تحوّل الدواء إلى مدخل خفي للإدمان، كما يوضح سعيد: «لم يكن لدي ما أهرب منه، لكنني أسأت استعمال الدواء، وتأثرت بمن حولي بعد أن كنت المؤثر. ما بدأ تعاطياً مرتبطاً بالألم تحول إلى عادة ثم إلى اعتماد كامل». مع مرور الوقت، لم تعد الجرعات تكفي، وتلاشى الوعي أمام أوهام السيطرة، فكان يكرر لنفسه: «أنا أتحكم»، بينما كان في الحقيقة يجرّ إلى أسرع السباق نحو نهايته.
ست سنوات من الانغماس في الظلام
قضى سعيد ستة عشر عاماً من عمره في دوامة الدخان والحبوب المخدرة، محاولاً الإقلاع عن طقوس الموت لكنّه كان يعود سريعاً إلى الإدمان كأن شيطاناً داخلياً يدفعه إلى استنزاف نفسه. فقد وظيفته، وبادل ذلك بخسارة كل أمواله، وتحول إلى شخص انطوائي بعد أن كان يملك شبكة علاقات اجتماعية قوية.
ألم الخذلان وصل إلى أقصاه عندما خذل والدته؛ فقد كان يأخذ منها المال دون أن تشك، ويكذب عليها لتمويل إدمانه. يقول سعيد بمرارة: «إن الأخلاق تتآكل في عالم الإدمان، وإن الإنسان يفقد نفسه قبل أي شيء آخر».
القبض والسجن والعودة إلى العادة
في عام ٢٠١٩، تعرض سعيد لصدمة بالغة عندما تم توقيفه. كان اتصالاً بوالدته في لحظة القبض أكثر قسوة من السجن نفسه؛ فقد قالت له بصوت مكسور: «أنت آخر من توقعت أن أسمع صوته من هنا». رغم تجربة السجن، لم يتحقق التعافي الحقيقي؛ فسرعان ما عاد إلى التعاطي بعد خروجه، مدركاً أن التوقف القسري لا يضمن التعافي الدائم.
وصل اليأس إلى ذروته عندما ساءت علاقته بأسرته، فأصبح من الابن المفضل إلى شخص منبوذ. لم يعد يتحمل رؤية صورته في المرآة ولا حياته التي اختصرت بالبحث عن الجرعة. وصف نفسه بأنه «جسدٌ حي بروح ميتة».
الإنعاش عبر مركز «إرادة» في دبي
ظهرت نافذة أمل غير متوقعة عندما شاهد سعيد برنامجاً تلفزيونياً يتناول مركز «إرادة» للعلاج والتأهيل في دبي. وجد فيه أملاً، فتوجه إلى أسرته طالباً الدعم قبل أن يبدأ رحلته داخل المركز.
في «إرادة» وجد السند الذي افتقده؛ بدأ من الصفر بإزالة السموم ثم إعادة بناء ذاته. كانت الأشهر الأولى الأصعب، إذ اضطر إلى إعادة تشكيل حياته بالكامل.
اليوم، يقف سعيد على الضفة الأخرى من معركة الإدمان، متعافياً ويستعيد ذاته تدريجياً. عاد إلى الدراسة الجامعية ويبحث عن فرصة عمل، ويحمل رغبة صادقة في مساعدة الآخرين. لا يطلب من أسرته النسيان، بل يمنحهم الوقت، كما يمنح نفسه فرصة جديدة للبدء من جديد.



