مكملات الميلاتونين بين الفوائد والمخاطر: تحذيرات طبية من الاستخدام العشوائي

أصبحت مكملات الميلاتونين خياراً شائعاً بين فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، بهدف الحصول على نوم أسرع وأكثر انتظاماً، لاسيما في ظل اضطراب مواعيد النوم والسفر والعمل بنظام المناوبات. غير أن الأطباء يحذرون من أن الاستخدام المطول لهذا المكمل يستلزم استشارة طبية لتجنب أي مخاطر صحية محتملة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو يتناولون أدوية أخرى.
تحذيرات طبية من الاستخدام المفرط
في ظل انتشار الحديث عن الميلاتونين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استطلعت صحيفة «البيان» آراء أطباء حول بعض المخاطر الشائعة، استناداً إلى دراسة ربطت الاستخدام طويل الأمد للميلاتونين بارتفاع معدلات قصور القلب لدى البالغين المصابين بالأرق.
وينصح الأطباء بعدم اللجوء إلى الميلاتونين كخيار أول لعلاج مشكلات النوم مثل الأرق، بل يجب أولاً مراجعة أنماط الحياة التي تدعم الصحة، والتي قد يكون من بينها الأرق وعدم انتظام النوم. وأكدوا أن فعالية الميلاتونين لا تعني بالضرورة ملاءمته للجميع، إذ يجب أن يرتبط استخدامه بالحاجة الفعلية والجرعة المناسبة ومدة الاستخدام، بعيداً عن الاعتقاد بأن كل ما هو «طبيعي» آمن للاستخدام دون حدود.
دراسة تربط الاستخدام الطويل بقصور القلب
أوضح الدكتور عبدالله عبدالرحمن الهاجري، استشاري القسطرة القلبية والمتخصص في نظم القلب، أن الميلاتونين هو هرمون تفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ، ويلعب دوراً مهماً في تنظيم دورة النوم والاستيقاظ. ويلجأ البعض إلى مكملاته بسبب صعوبة النوم، واضطراب الرحلات الجوية، والعمل بنظام المناوبات، أو بهدف تعديل الساعة البيولوجية.
وأكد الهاجري أن الميلاتونين آمن نسبياً عند استخدامه لفترات قصيرة وبجرعات مناسبة، لكنه شدد على أن وصف المنتج بأنه «طبيعي» لا يعني أنه مناسب للجميع أو يخلو من الآثار الجانبية.
وحول الجدل المتعلق بصحة القلب، أشار الهاجري إلى دراسة عُرضت خلال الاجتماع العلمي لجمعية القلب الأمريكية في نوفمبر 2025، وشملت أكثر من 130 ألف بالغ يعانون الأرق. ووجدت الدراسة أن الأشخاص الذين سُجل لديهم استخدام الميلاتونين لمدة عام أو أكثر كانوا أكثر عرضة لتشخيص قصور القلب خلال خمس سنوات مقارنة بغيرهم.
لكن الدراسة كانت رصدية وليست تجربة سريرية عشوائية، وعند إعلانها كانت في صورة ملخص بحثي لم يخضع بعد لمراجعة الأقران، ولذلك فهي تظهر ارتباطاً ولا تثبت أن الميلاتونين تسبب في قصور القلب. ولفت الهاجري إلى أن مستخدمي الميلاتونين لفترات طويلة قد يعانون أساساً أرقاً أشد أو اضطرابات نفسية أو حالات صحية أخرى تؤثر في مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
كما أن تحليلاً أحدث لبيانات المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية «NHANES» لم يجد ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين الاستخدام الحديث للميلاتونين وأمراض القلب والأوعية الدموية أو قصور القلب، لكنه تحليل رصدي أيضاً.
وشدد الهاجري على عدم وجود أدلة علمية تثبت حالياً علاقة سببية مباشرة بين الميلاتونين وأمراض القلب، كما لا توجد أدلة قوية على أنه يسببها لدى الأصحاء عند استخدامه لفترات قصيرة وبجرعات مناسبة. أما الاستخدام اليومي طويل الأمد، فما زالت سلامته أقل وضوحاً وتحتاج إلى مزيد من البحث.
وبالنسبة لمرضى القلب، أكد الهاجري أن الميلاتونين ليس ممنوعاً على الجميع، لكن استخدامه يحتاج إلى حذر لدى مرضى قصور القلب واضطرابات النظم وبطء النبض وارتفاع ضغط الدم، خصوصاً غير المستقر، وبعد الجلطات أو الإجراءات القلبية الحديثة. كما أن من يتناولون مميعات الدم أو مضادات الصفائح قد يزيد الميلاتونين لديهم خطر النزف، لذلك يجب أن يكون تحت إشراف طبي.
وقد يتداخل الميلاتونين مع بعض الأدوية، ومنها الوارفارين ومضادات التخثر ومضادات الصفائح مثل الأسبرين، وقد يؤثر في التحكم بضغط الدم لدى بعض مستخدمي أدوية الضغط، ويمكن أن يؤثر في ضغط الدم والنبض بصورة تختلف وفق الجرعة والتوقيت والأدوية المصاحبة.
وأكد الهاجري أن الأطفال وكبار السن أيضاً يحتاجون إلى انتباه أكبر، إذ قد يكون كبار السن أكثر عرضة للنعاس والدوخة والسقوط، فيما لا تزال بيانات سلامة الاستخدام طويل الأمد لدى الأطفال والمراهقين محدودة.
ارتفاع الطلب بين الشباب وأخطاء شائعة
من جانبه، كشف أنس الجمال، مسؤول صيدلاني، عن ارتفاع الطلب على الميلاتونين خلال السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أن أبرز أسباب شرائه تتمثل في صعوبة الخلود إلى النوم واضطراب النوم بعد السفر واختلاف التوقيت.
وقال الجمال: إن الزيادة الأكثر وضوحاً في الطلب سجلت بين الشباب في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، موضحاً أن التوصيات تختلف وفق العمر والحالة الصحية. ولا ينبغي استخدامه للأطفال من دون تقييم طبي، فيما قد يستفيد بعض المراهقين من الميلاتونين في حالات تأخر الساعة البيولوجية وفق إرشادات طبية متخصصة.
ورصد الجمال أخطاء متكررة بين المستخدمين، أبرزها البدء بجرعات مرتفعة، وزيادتها دون استشارة، وأخذ الميلاتونين في توقيت غير مناسب، والاستمرار عليه يومياً لأشهر من دون إعادة تقييم الحاجة إليه. كما قد يسبب النعاس خلال النهار والصداع والدوخة ويتفاعل مع أدوية أخرى.
من جانبها، أكدت الصيدلانية رانيا الخاني، مديرة صيدلانية، تنامي الاهتمام بالميلاتونين بين من يعانون اضطرابات النوم، موضحة أن سهولة الحصول على بعض مستحضراته والاعتقاد بأنه آمن لكونه مادة ينتجها الجسم طبيعياً يسهمان في الإقبال عليه.
وحذرت الخاني من تحويل الميلاتونين إلى حل دائم لمشكلات النوم، مؤكدة أن المعلومات المتعلقة بسلامة استخدامه طويل الأمد ما زالت محدودة، وأن الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والكبد والكلى، والأشخاص الذين يتناولون مميعات الدم أو أدوية متعددة، يحتاجون إلى مزيد من الحذر.
تجارب المستخدمين: بين الإيجابية والحذر
وعبّر عدد من المستخدمين عن أن الرغبة في تحسين النوم والحصول على قدر أكبر من الاسترخاء من أبرز الدوافع لتجربة الميلاتونين.
وقال الطالب فارس جمعة إنه لجأ إلى استخدام الميلاتونين على هيئة حلوى «غامي» اشتراها من خارج الدولة بعد أن سمع عنه ورغب في تجربته للمساعدة على النوم. ووصف تجربته بأنها جيدة، إذ شعر بأنه ساعده على الاسترخاء والنوم، موضحاً أنه لم يستخدمه لفترة طويلة. ورأى أن الميلاتونين من المكملات التي يمكن الاستفادة منها، خصوصاً خلال فترات الأرق والتعب وصعوبة النوم.
من جانبها، قالت نورة عبدالله إنها تستخدم الميلاتونين لمساعدتها على النوم بصورة أسرع والشعور بالاسترخاء، ولم تلاحظ، بحسب تجربتها الشخصية، ظهور أعراض جانبية مضرة. وأوضحت أنها تتناوله بجرعات مناسبة وفق نصيحة الصيدلاني، معتبرة أنه قد يساعد الأشخاص الذين يعانون التعب وصعوبة النوم على تنظيم ساعات نومهم.
وقال سيف سالم إنه يستخدم الميلاتونين بعد عودته من السفر للمساعدة على إعادة تنظيم ساعته البيولوجية والتغلب على اضطراب النوم الناتج عن اختلاف التوقيت، مشيراً إلى أنه يلاحظ تحسناً في انتظام النوم خلال الأيام الأولى بعد العودة من الرحلات، ما يجعله أحد الخيارات التي يعتمد عليها عند الحاجة.
أما الطالب سيف عبدالله، فأكد أنه يستخدم الميلاتونين بعد الإجازات الطويلة عندما تتغير مواعيد نومه، موضحاً أنه يساعده على العودة إلى نظام نوم منتظم. ورأى أن الميلاتونين مفيد في مثل هذه الحالات، لكنه يحرص على عدم الإكثار من تناوله، ويستخدمه فقط عند الحاجة إلى تنظيم النوم أو عند مواجهة صعوبة في الخلود إليه.
وبين تجارب المستخدمين الإيجابية والتحذيرات العلمية، يبقى الميلاتونين خياراً قد يساعد بعض الأشخاص على تنظيم النوم، لكنه ليس بديلاً عن معالجة أسباب اضطراب النوم.




