التحول الرقمي يعيد تشكيل الصحافة مع الحفاظ على المصداقية

التحول الرقمي وتحديات الوصول إلى الأخبار
تزيد المؤسسات الإعلامية من وجودها على الإنترنت دون أن تتخلى عن معايير المهنية والدقة. ويصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً يدعم الصحفي في البحث والإنتاج، بينما يبقى القرار النهائي بشرياً. يتسارع تغير طريقة وصول الجمهور للأخبار مع انتشار الهواتف ومنصات التواصل في الحياة اليومية، لكن هذا التطور لا يلغي دور الصحافة بل يدفعها إلى تحسين أدواتها وقنواتها لضمان الوصول الفعّال. ومع سرعة انتشار المعلومات وتعدد مصادرها، تبقى الدقة والتحقق والمصداقية ركائز أساسية تميز العمل الإعلامي المحترف.
من التحديات المستمرة التفكير في الجمهور التقليدي رغم توسع شريحة القراء الشباب، ما يستدعي وضع استراتيجيات مخاطبة مخصصة لهذه الفئة وعدم ترك الفضاء الرقمي دون حضور إعلامي مهني.
كما أن اختلاف ردود فعل الجمهور تجاه المحتوى يمكن أن يشير إلى تقديم القصة من دون انحياز إلى وجهة نظر واحدة، مع تأكيد على ضرورة إتاحة المعلومات الكاملة للمتلقي سواء وافق عليها أم عارضها. وقد تؤدي «فقاعات» وسائل التواصل و«غرف الصدى» إلى محاصرة المستخدم بآراء تتوافق مع قناعاته وتقليل تعرّضه لوجهات نظر أخرى، بيد أن قطاعاً واسعاً من الجمهور لا يزال يسعى إلى صحافة تستند إلى الحقائق.
ويعمل التلفزيون وفق سياسات وبرامج موجهة للجمهور، لكن ظهور قضايا وتوجهات اجتماعية جديدة يستلزم مواكبتها وتسليط الضوء عليها، وقد تطور أسلوب تقديم البرامج ليصبح المحتوى أسرع وأكثر حركة يتماشى مع عادات المشاهدة الحالية.
وانتقل التحول إلى مجال التصوير؛ بعد الاعتماد على الكاميرات الثابتة أصبحت الكاميرا المتنقلة تدخل قلب الحدث وتقدم للمشاهد زوايا أقرب، كما تسارع المونتاج وتصبح أكثر ديناميكية باستخدام أدوات مثل «التايم لابس» وغيرها التي تتماشى مع اللغة البصرية التي اعتادها الجمهور عبر المنصات الرقمية.
وللوصول إلى قاعدة واسعة من الجمهور لا بد من تقديم مادة تشجع المشاهد على إكمال الفيديو أو القارئ على finishing النص، وذلك عبر بداية تجذب الانتباه ثم بناء موضوع يحافظ على الاهتمام ويضيف فائدة ملموسة.
دور المنصات الاجتماعية والمؤسسات الإخبارية
يُشدد على ضرورة دخول المؤسسات الإعلامية الرسمية والتقليدية إلى منصات مثل «تيك توك»، إذ يتيح وجودها المهني هناك تقديم محتوى يتلاءم مع طبيعة المنصة مع الحفاظ على المعايير المهنية. ولا يعني هذا الدخول التخلي عن الأساليب التقليدية، بل تطوير الأدوات بالتوازي معها مع الاستمرار في الالتزام بالمهنية والرصانة وتقديم المعلومات بدقة وموثوقية.
والصحافة تُعد قيمة تتجاوز مجرد المنصة التي تُنشر عليها.
تجارب الجمهور في التحقق من الأخبار
تعكس تجارب أفراد من الجمهور جانباً من هذا التحول؛ فقد سألنا متابعين للأخبار عن طرق حصولهم على المعلومات، وكيف يتحققون من مصادرها، وما يفضّلون من أشكال المحتوى.
ويوضح أحد المتابعين أنه عند الاطلاع على خبر يحرص على زيارة الموقع الرسمي للجهة المعنية أو موقع المكتب الإعلامي لحكومة دبي والصفحات ذات الصلة للتأكد من صحة المعلومة ومصدرها قبل إعادة نشرها.
ويشير آخر إلى أنه يفضّل قراءة الصحف الورقية، لكنه يدرك أن تغير أنماط استهلاك المحتوى يتطلب مواكبة الوسائل الأسرع في إيصال المعلومة، وبالتالي يميل إلى المحتوى المرئي، خاصة مقاطع الفيديو التي يقدم فيها إعلامي المعلومة ويضيف تعليقاً عليها.
وتذكر مشاركة أخرى أن «إنستغرام» تمثل بالنسبة إليها أسرع وسيلة للوصول إلى الأخبار؛ فعند سماعها عن حدث أو تطور جديد تتجه إلى المنصة ثم تتحقق من الخبر عبر الحسابات الموثقة لتأكيد صحته، مشيرة إلى أن ثقافة الرجوع إلى المصادر الرسمية أصبحت أكثر انتشاراً لدى الجمهور، خصوصاً خلال الأزمات.
وتضيف أنها تميل إلى المحتوى المرئي أولاً، سواء كان مقطع فيديو أو شرائح مصورة، قبل الانتقال إلى النص المكتوب للاطلاع على التفاصيل الكاملة، موضحة أن الصورة تجذب الانتباه في البداية بينما يبقى النص ضرورياً لفهم ما لا تستطيع اللقطات المختصرة إحاطته به.
الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة للصحافة
ويوضح علي الحمادي أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من عملية تطوير المحتوى بالتزامن مع خطة المؤسسة وبرامج التدريب والتوجهات الحكومية، مبيناً إمكانية استخدامه في إنتاج بعض اللقطات وتحسين المحتوى وليس بهدف خلق محتوى مزيف.
ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يحلّ محل العنصر البشري، إذ تنطلق الرؤية والفكرة من الإنسان ثم تأتي التقنية كأداة تساعده على تنفيذها وتسهيل بعض مراحل الإنتاج.
ويشير بيتر باراباس من جانبه إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي يجب أن يخضع دائماً للمراجعة والقرار البشري، مع الإعراب عن إمكانية الاستفادة من هذه الأدوات في البحث الأولي وفهم خلفيات القصص المعقدة، إلا أن ما توفره لا يشكّل بالضرورة الصورة الكاملة للموضوع.




