السعودية تُطلق شراكة استراتيجية مع كازاخستان لتطوير قطاع المعادن الحرجة

قرار مجلس الوزراء وتعاون استراتيجي مع كازاخستان
في 15 سبتمبر، وافق مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان على مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية ووزارة الصناعة والبناء في كازاخستان، متعلقة بالثروة المعدنية. القرار لا يعني استحواذ السعودية على منجم كازاخستاني ولا إبرام استثمار بقيمة محددة، لكنه يضع إطاراً رسمياً للتعاون يهدف إلى تبادل الخبرات، تطوير الاستكشاف، البحث عن شراكات في المعادن الحرجة، وربط الموارد بالمراحل اللاحقة من المعالجة والتصنيع وسلاسل الإمداد.
الإعلان عن موارد جبل صايد وأبعادها الجيولوجية
يأتي هذا القرار بعد يوم واحد من إعلان سعودي ثقيل الوزن في 14 سبتمبر، حيث كشفت المملكة عن موارد تقديرية تتراوح بين 110 و114 مليون طن من الخام في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة. يحتوي الخام على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، خاصة الثقيلة، بالإضافة إلى تركيزات واعدة من اليورانيوم. لم تُصف الموارد بأنها “كنز جاهز للبيع”، بل كقاعدة جيولوجية يمكن تحويلها، عبر الاستثمار والتقنية والتنظيم، إلى صناعة متكاملة.
الرؤية لتحويل المعادن إلى قيمة مضافة محلية وعالمية
تسعى المملكة إلى عدم النظر إلى اليورانيوم كمادة خام تُستخرج وتغادر، بل إلى مسار يمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج الكعكة الصفراء. كما تعمل على استرداد اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج من صناعة الأسمدة، حيث تصنف التغطيات المتخصصة السعودية بأنها ثاني أكبر مصدر عالمي لأسمدة الفوسفات. تشمل المبادرات أيضاً مسح الغطاء الرسوبي بحثاً عن مصادر إضافية لليورانيوم من المصادر التقليدية.
من هذه الزاوية، تتغير المعادلة الاقتصادية بحيث لا تُقاس القيمة فقط بكمية الخام المستخرج، بل بنسبة ما تستطيع المملكة إبقاءه داخل اقتصادها من أعمال هندسية، خدمات جيولوجية، تقنيات فصل، مراكز أبحاث، مصانع تحويل، ووظائف عالية المهارة. كل طن لا يُصدّر في صورته الأولية يمكن أن يصبح سلسلة من القيمة المضافة، وكل شراكة تقنية ناجحة تقلل الاعتماد على الخارج في مرحلة حساسة من دورة المعادن.
تظهر كازاخستان كشريك منطقي بفضل قاعدتها المعدنية الواسعة وخبرتها الطويلة في التعدين، بينما تقدم السعودية طاقة تنافسية، بنية تحتية متقدمة، موقعاً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وقدرة متنامية على تمويل المشروعات الصناعية الكبرى. قد ينتج عن الجمع بين هذه المزايا ممر اقتصادي للمعادن يبدأ من الاستكشاف ولا ينتهي عند المنجم، بل يصل إلى المعالجة والتصنيع والتجارة العالمية. لتحويل هذا الإطار إلى مشروعات فعلية ستحتاج إلى دراسات جدوى، اتفاقات تنفيذية وتخصيصات استثمارية تُعلن في حينه.
لفتت المنصات العالمية انتباهها إلى التحرك السعودي؛ فقد أبرزت “حض رويترز” في 14 سبتمبر حجم الخام المحتوي على تركيزات من اليورانيوم في المدينة المنورة، بينما وسعت “ذا ناشونال” زاوية التغطية لربط الاكتشاف بمسار الطاقة النووية والشراكات الصناعية. وعرضت “الشرق الأوسط” الناطقة بالإنجليزية المسارات الثلاثة لاستكشاف الموارد وبناء سلسلة قيمة محلية. أكدت وكالة الأنباء السعودية قرار مجلس الوزراء في 15 سبتمبر ونقلته منصات اقتصادية عربية، وكان دلالته العالمية تكمن في تحويل الطموح المعدني من خطاب استراتيجي إلى شبكة تعاون مؤسسية قابلة للبناء.
الأهم أن السعودية لا تتصرف بمنطق البحث عن بديل للنفط، بل بمنطق توسيع تعريف القوة الاقتصادية. فقد منحت النفط المملكة وزناً في أسواق الطاقة، بينما قد تمنح المعادن الحرجة واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة وزناً جديداً في التكنولوجيا والصناعة وأمن الإمدادات. بين إعلان جيولوجي في 14 سبتمبر وقرار تعاون دولي في 15 سبتمبر، ترسم الرياض ملامح اقتصاد يدرك أن الثروة لا تكمن فقط فيما تحت الأرض، بل فيما تستطيع العقول والمؤسسات تحويله إلى معرفة وصناعة وتأثير.
وهذا هو الفصل الجديد الذي يفتحه الأمير محمد بن سلمان: السعودية لا تكتفي بأن تكون أرضاً غنية بالموارد، بل تسعى إلى أن تصبح منصة عالمية تلتقي فيها الجيولوجيا برأس المال، والتقنية بالسياسة، والطموح الصناعي بحسابات الاقتصاد الدولي. وليس هذا مبالغة في وصف اللحظة، بل قراءة هادئة لبلد بدأ يتعامل مع باطن الأرض باعتباره نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية.



