ظواهر استثنائية تطبع ملامح النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم 2026

مع اقتراب موعد انطلاق مباريات الدور ربع النهائي من بطولة كأس العالم 2026، قدّمت هذه النسخة، التي تُقام للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخباً، وتستضيفها ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مزيجاً فريداً من الإثارة على أرض الملعب والجدل خارجه. وبين التألق اللافت للنجوم، والتدخلات ذات الطابع السياسي، والابتكارات في مجال التحكيم، وفترات التوقف لشرب المياه، أكدت شبكة «سكاي سبورت» أن البطولة شهدت حتى الآن العديد من المحطات التي فرضت نفسها على عناوين الأخبار.
ميسي في صدارة المشهد
على الرغم من بلوغه التاسعة والثلاثين من العمر، استطاع ليونيل ميسي أن يفرض نفسه كأبرز نجوم البطولة، بعد أن قاد منتخب الأرجنتين بعروض حاسمة جعلته يتصدر قائمة الهدافين، معززاً مكانته كواحد من أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ. ولم يكن ميسي وحده تحت الأضواء، إذ تألق أيضاً كل من كيليان مبابي، وإيرلينغ هالاند، وهاري كين، وعثمان ديمبيلي، وفينيسيوس جونيور، فيما لعب جود بيلينغهام دوراً محورياً في مسيرة منتخب إنجلترا، وقدم كريستيانو رونالدو لحظات مميزة ردّ بها على منتقديه.
وعلى الرغم من هيمنة الأسماء الكبيرة، تمكنت بعض الوجوه الجديدة من لفت الأنظار، أبرزهم السويسري يوهان مانزامبي البالغ من العمر 20 عاماً، وحارس مرمى الرأس الأخضر فوزينها البالغ 40 عاماً، إلى جانب البداية القوية للمهاجم الأمريكي فولارين بالوغون، قبل أن تتحول قصته إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في البطولة.
بطولة الـ48 منتخباً
أثار قرار زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 فريقاً العديد من المخاوف قبل انطلاق البطولة، خاصة فيما يتعلق بإمكانية مشاهدة نتائج ساحقة وضعف مستوى التنافسية. وبالفعل، شهد دور المجموعات انتصارات كبيرة، حيث تعرضت منتخبات قطر وكوراساو ونيوزيلندا والسعودية والعراق لهزائم ثقيلة، فيما استغل كريستيانو رونالدو ضعف المنافسين ليسجل أهدافاً في فوز البرتغال بخماسية على أوزبكستان.
ولكن البطولة قدمت أيضاً العديد من المفاجآت، أبرزها كان منتخب الرأس الأخضر، الذي تعادل سلبياً مع إسبانيا بطلة أوروبا، ثم اقترب من إقصاء الأرجنتين في دور الـ32، كما تعادلت قطر مع سويسرا، وحققت كوراساو فوزاً على الإكوادور، فيما حصدت جمهورية الكونغو الديمقراطية نقطة أمام البرتغال لتصل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخها.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت لنظام أفضل أصحاب المركز الثالث، وما صاحبه من تعقيدات حسابية، فإن البطولة الموسعة منحت الفرصة لمنتخبات جديدة لصناعة قصص تاريخية، وهو ما اعتبره الكثيرون أحد أبرز مكاسب النظام الجديد.
إنجازات ووداع النجوم
لم تقتصر الإنجازات على المنتخبات الصغيرة فقط، حيث بلغت سويسرا ربع نهائي كأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1954، وتأهلت جنوب أفريقيا إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخها، بينما حصدت كندا أول نقطة وأول انتصار لها في كأس العالم قبل بلوغ دور الـ16، ووصلت النرويج إلى ربع النهائي للمرة الأولى في تاريخها.
وأكد كريستيانو رونالدو أن نسخة 2026 ستكون الأخيرة له في كأس العالم، رغم إمكانية استمراره مع المنتخب البرتغالي، كما تشير المؤشرات إلى اقتراب نهاية المشوار الدولي لكل من نيمار ولوكا مودريتش، فيما أعلن مانويل نوير ورياض محرز اعتزالهما اللعب الدولي.
أهداف متأخرة
شهدت البطولة رقماً قياسياً في عدد الأهداف المتأخرة، بعد أن تم تسجيل عشرة أهداف حاسمة في الوقت بدل الضائع، كان آخرها خلال عودة الأرجنتين المثيرة أمام مصر. وساهمت فترات التوقف لشرب المياه، بالإضافة إلى مراجعات تقنية الفيديو، في زيادة الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، مما منح المباريات نهايات درامية.
ومن أبرز تلك اللحظات، مباراة الجزائر والنمسا المثيرة حتى اللحظات الأخيرة، وإلغاء هدف إيران أمام مصر في الثواني الأخيرة ليحرمها من التأهل، وهدف غابرييل مارتينيلي في الدقيقة 95 الذي منح البرازيل الفوز على اليابان في دور الـ32. وأثبتت البطولة أن المباريات لا تُحسم إلا مع صافرة النهاية.
ولكن هل أصبحت كرة القدم تُلعب على أربعة أشواط؟ كانت استراحات شرب المياه من أكثر الظواهر إثارة للجدل، وقوبلت باستهجان جماهيري، خاصة بعد أن تم تطبيقها حتى في الملاعب المكيفة، حيث رأى كثيرون أنها تجاوزت الهدف الصحي وأصبحت تمنح المدربين فرصة لإعادة تنظيم الفرق وتغيير مجريات المباريات. واستفاد المنتخب الإنجليزي بشكل واضح من هذه التوقفات، إذ استغل توماس توخيل الاستراحات لتوجيه لاعبيه ميدانياً.
وقال رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، بعد مباراة إنجلترا والكونغو الديمقراطية، إن هذه الاستراحات تمنح اللاعبين فرصة للتعافي، كما تسمح للمدربين بالتواصل المباشر مع فرقهم، في تبرير مختلف عن تصريحاته السابقة التي ركزت على الجانب البدني فقط. ويرى كثيرون أن استمرار هذه الاستراحات قد يمهد مستقبلاً لتحويل مباريات كرة القدم إلى أربعة أشواط.
الطقس فرض نفسه
شهدت أمريكا الشمالية صيفاً شديد الحرارة، حيث بلغت درجة الحرارة 39 مئوية خلال مباراة فرنسا وباراغواي في فيلادلفيا، ومع ذلك استمرت المباراة رغم إلغاء احتفالات عيد الاستقلال في المدينة.
كما تسببت العواصف الرعدية في تأجيل ثلاث مباريات فقط حتى الآن، حيث التقى فيها المكسيك مع الإكوادور، وإنجلترا مع المكسيك، وفرنسا مع العراق. ورغم توقعات بحدوث عواصف جديدة خلال مواجهة إنجلترا والنرويج، فإن تأثر ثلاث مباريات فقط من أصل 96 يعد رقماً محدوداً مقارنة بكأس العالم للأندية، التي شهدت تأثر ست مباريات من أصل 63.
بطولة لم تخل من السياسة
برز الجانب السياسي بقوة خلال البطولة، حيث أثار اتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الفيفا جياني إنفانتينو لإعادة النظر في إيقاف فولارين بالوغون جدلاً واسعاً، بعد أن وافقت لجنة الانضباط على مشاركته أمام بلجيكا.
ووصف غاري نيفيل القرار بأنه «مخز»، كما اشتكى قائد منتخب إيران مهدي طارمي من القيود المفروضة على منتخب بلاده، الذي اضطر لنقل مقر تدريباته إلى المكسيك وعانى من مشكلات التأشيرات. وامتدت الأزمة إلى جماهير إيران وهايتي وكوت ديفوار والسنغال وغانا وأوزبكستان والإكوادور والمغرب والأردن، الذين واجهوا صعوبات كبيرة في الحصول على تأشيرات السفر. كما شهدت البطولة منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة، واحتجاز المهاجم العراقي أيمن حسين لمدة سبع ساعات في مطار شيكاغو.
وشهدت البطولة اعتماد عدد من التقنيات الجديدة، كان أبرزها إلزام اللاعب الذي يتلقى العلاج بالبقاء دقيقة خارج الملعب، وتقليص الوقت المسموح به للاعبين المغادرين أثناء التبديل، واحتساب عد تنازلي لركلات المرمى ورميات التماس، ودخول اللاعبين إلى أرض الملعب كاملين قبل عزف النشيد الوطني، والإعلان عبر مكبرات الصوت عن البطاقات الصفراء والحمراء. كما تم استخدام تقنية التسلل الجديدة المعتمدة على المسح الكامل للجسم، وتنبيه صوتي للحكام المساعدين عند وجود تسلل يتجاوز 10 سنتيمترات، واستخدام الشريحة الذكية داخل كرة «تريوندا» من أديداس، والتي كشفت لمسة خفيفة من إيغور ماتانوفيتش لتؤكد تسلل جوسكو غفارديول وإلغاء هدف كرواتيا أمام البرتغال. ورغم استمرار الجدل حول بعض قرارات تقنية الفيديو، ومنها احتجاجات مصر وفرنسا وإنجلترا، فإن التكنولوجيا ساهمت في تسريع القرارات ورفع دقتها في العديد من الحالات.
وظلت أسعار التذاكر إحدى أكثر القضايا إثارة للانتقادات طوال البطولة، بعد أن وصلت أسعار بعض المقاعد إلى مستويات مرتفعة للغاية. ورغم ذلك، امتلأت معظم الملاعب بالجماهير، سواء من المشجعين المحليين أم الزائرين، ليؤكد الحضور الجماهيري أن النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم نجحت حتى الآن في الحفاظ على زخمها داخل المدرجات، بالتوازي مع الإثارة الكبيرة التي شهدتها المنافسات داخل أرض الملعب.



