الأطلس الكتالوني: خريطة الخيال الأوروبي في القرن الرابع عشر

يُرجّح الباحثون أن إتمام هذا الأطلس يعود إلى عام 1375م، مع احتمالية صنعه بين عامي 1370 و1380م. ويُحفظ اليوم في المكتبة الوطنية بباريس، حيث سُجل ضمن المقتنيات الملكية الفرنسية منذ عام 1380. ومن هنا تنطلق حكاية هذه التحفة الفريدة شكلاً ومضموناً.
لمحة عن الأطلس الكتالوني
ينتمي الأطلس الكتالوني إلى نمط الخرائط المعروف في العصور الوسطى باسم “المابَّاموندي” (Mappamundi)، وهو مصطلح لاتيني يعني خريطة العالم. إلا أن هذا الأطلس يتميز بخصوصية وتفرد يميزانه عن الأطالس السابقة والمعاصرة التي وصلت إلينا، إذ يعكس سردية مهمة حول معرفة الغرب ورؤيته، وتحديداً أوروبا، عن الشرق عامة وعن أفريقيا خاصة. هذه السردية مبنية إلى حد كبير على معلومات جغرافية، وأساسها خرائط الملاحة البحرية في حوض البحر المتوسط المعروفة بـ”خرائط بورتلان” (Portolan)، التي تركز على تحديد مواقع الموانئ. أما الجزء الأهم من تلك السردية فجاء وفقاً للكثير من المعارف العامة والأساطير التي تناقلها الرحالة والتجار، ولا سيما كتابات ماركو بولو وغيره ممن ارتحلوا شرقاً للاستكشاف والمغامرة. وهكذا مزج الأطلس الكتالوني بين تقاليد رسم خرائط الماباموندي ودقة خرائط البورتلان وواقعيتها، لينقل إلينا سردية مصورة مغايرة.
وقبل التعمق في سردية الأطلس المصورة، لا بد من تأطير بعض السمات العامة التي حرص صانع الأطلس عليها، والتي يمكن أن تمثل بمفهوم اليوم “مفتاح الخريطة” لتسهيل قراءتها وفهم تمثيلاتها المتنوعة. فإذا بدأنا بقياسات الخريطة، فهي من النوع كبير الحجم نسبياً، إذ تبلغ أبعادها حوالي 4 أمتار في 69 سم. وصُوِّرت المعالم الرئيسة، كالتضاريس الطبيعية والبحار والأنهار باللون الأزرق مع خطوط متعرجة، باستثناء البحر الأحمر الذي جاء باللون الأحمر القاني. ورُسمت الجبال الداخلية باللون البني على هيئة مرتفعات تشبه قشور السمك، أما السلاسل الجبلية فبعضها جاء بشكل مخالب طير، كما في سلسلة جبال الأطلس في شمال أفريقيا.
وجاءت المدن والموانئ كبناء على شكل قلعة، يعلوها إما صليب للدلالة على المدن المسيحية والأوروبية، أو قبة إشارة إلى المدن ذات الأغلبية المسلمة. واستُخدمت الأعلام والرايات للتعبير عن السيادة السياسية للنطاقات الجغرافية المختلفة. في المجمل، ضُمِّنت أسماء ما يقرب من 1120 موقعاً جغرافياً، واستُخدمت الرسوم الآدمية للإشارة إلى حكام بعينهم أو التعبير عن أسطورة ما أو توضيح كينونة وبيئة معينة.
ويتميز الأطلس بظهور “وردة الرياح” لأول مرة على خريطة بحرية من خرائط العصور الوسطى، على شكل نجمة بثمانية رؤوس، في نهاية كل رأس اسم من أسماء الرياح الثمانية وفقاً لاتجاهاتها الأصلية والفرعية. ومن اللافت أن أسماء الرياح جاءت مزيجاً من لغات عدة مختلفة تعكس المصطلحات التي كان يستخدمها البحارة في ذلك العصر. وفي الفقرات التالية، نبحر في أبرز تفاصيل الأطلس بعد أن تزودنا بمفاتيح قراءته، ونتعمق في سرديته المصورة والنصية أيضاً، للوقوف على أهميته وتفرده.
عكس الأطلس الكتالوني في أولى صفحاته جزءاً من معارف القرن الرابع عشر، وفي مقدمتها استدارة الأرض ومركزيتها، وذلك قبل نظرية مركزية الشمس التي صاغها نيكولاس كوبرنيكوس في مطلع القرن السادس عشر. كما أن الكون يتكون من أربعة عناصر رئيسة: الأرض والماء والهواء والنار. وزُوِّد الأطلس برسوم توضيحية لحركة المد والجزر والأعياد والأيام المقدسة، ورسم لـ”رجل الأبراج” وتعاقب الفصول الأربعة على مدار العام. أما الصفحة الثانية فتشغلها دائرة البروج “زودياك”؛ في منتصفها الأرض وفيها رجل يحمل إسطرلاباً، تليها ثلاث دوائر تمثل عناصر الكون الأخرى، ثم مدارات الكواكب السبعة وأطوار القمر المختلفة، يليها ست حلقات من بينها وصف لتأثير وجود القمر عند كل برج. ورُسمت الفصول الأربعة في زوايا الأركان على هيئة صور آدمية.
إفريقيا في الأطلس الكتالوني
جاءت تمثلات الأطلس الكتالوني عن إفريقيا أكثر عمقاً، وتمزج بين الحقائق والأساطير، على عكس ما هو معتاد في الأطالس الأوروبية آنذاك، حيث كانت القارة تُصوَّر كأرض مأهولة بالوحوش والكائنات الخرافية والغرائب. في المقابل، رسم الأطلس الكتالوني شمال ووسط إفريقيا بصورة أعمق، ولا سيما أن الخرائط البحرية تهتم بتحديد الموانئ على طول الساحل الإفريقي المطل على البحر المتوسط، ولم تكن هناك حاجة لتمثيل الداخل. أما في السردية الكتالونية، فنجد شخصيات واقعية عدة، منها الحاكم مانسا موسى، الذي صُوِّر كرجل ذي بشرة سمراء داكنة جالساً ويمسك كرة ذهبية، ومزوَّداً بنص كتالوني يصفه بملك جينويا (غينيا). ومانسا موسى حاكم إفريقي مسلم اشتهر بـ”أغنى رجل في العالم”، وقد حكم مملكة مالي التي تضم غينيا ومالي وبعض المناطق المجاورة بين عامي 1312 و1337م. وفي عهده بلغت مملكة مالي مكانة عظيمة بين الدول الإفريقية ووطدت العلاقات الدولية مع بلدان عدة. ولعل أشهر ما عُرف به هو مقدار ثروته من الذهب الخام وسخاؤه ورحلته الشهيرة إلى الحج.
وفي الوقت نفسه، عكس الأطلس بعض المعارف الأسطورية الأوروبية عن إفريقيا آنذاك، ومنها النهر الأسطوري المعروف بـ”نهر الذهب” الذي يمتد عرضاً من شرق إفريقيا إلى وسطها، وساد اعتقاد بأنه يحجز وراءه كنوز الذهب وخيرات القارة السمراء. أما الإشارة الأهم هنا فهي رسم سفينة جاومي فيرير (Jaume Ferrer) ورحلته لاكتشاف “نهر الذهب”، مزوداً بنص: “أبحرت سفينة جاومي فيرير متجهة إلى نهر الذهب في العاشر من آب/أغسطس عام 1346”. وبالفعل، تُعد هذه الرحلة من أوائل الرحلات الأوروبية الاستكشافية لوسط إفريقيا، وما زالت محفوظة في الذاكرة الجمعية لأهل جزيرة بالما في مايوركا؛ حيث تخلد ذكرى هذه الرحلة بتمثال لجاومي فيرير يقف شامخاً في أهم شوارع المدينة.
وإذا اتجهنا شرقاً نحو “مصر” ودولة المماليك الموجودة في سدة الحكم، نجد حاكم مصر جالساً بعباءة وعمامة بيضاء متعددة الطبقات، مع إشارة نصية تفيد بأنه سلطان بابليون (الفسطاط ومصر)، وهو من الحكام العظام في هذه المنطقة. وفي الجزء الشمالي الشرقي نجد البحر الأحمر، مزوداً بنص يشير إلى أن أغلب التوابل القادمة من الهند تمر عبره وتصل إلى القصير ومنها إلى الفسطاط والإسكندرية. وهذا هو الطريق الجنوبي البحري للتجارة الدولية المعروف اليوم بـ”طريق الحرير” البحري.
آسيا في الأطلس الكتالوني
على النقيض من السردية الإفريقية التي عرضها الأطلس الكتالوني، والتي اتسمت بواقعيتها في كثير من التفاصيل، نجد أن صورة آسيا، الأكثر بعداً من الناحية الجغرافية، جاءت أغلبها مبنية على أساطير الرحلات الاستكشافية، وإن كان هذا لا ينفي أننا أمام تجربة مميزة؛ فللمرة الأولى يتم تصوير قارة آسيا بشكل كامل وصولاً إلى الصين. وإذا بدأنا من شمال آسيا حيث بحر قزوين أو بحر باكو كما يشير الأطلس، نجد جاني بك حاكم خانية مغول القبيلة الذهبية الذي تولى الحكم في منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وإلى يمينه قافلة تسير في أحد فروع طرق التجارة الدولية (طريق الحرير البري). وفي جنوب بحر قزوين نجد الحاكم المغولي، ويُرجح أنه السلطان أولجايتو خان حاكم دولة المغول الإيلخانيين في إيران، وقد أشار إليه الأطلس بوصفه حاكماً لتبريز. وإلى الجنوب نجد الخليج العربي، المعروف بالفارسي آنذاك، وركز صانع الأطلس على أنه غني باللؤلؤ ومنه يُستخرج ويُباع. وبالفعل، في الجزء المتصل بالمحيط الهندي نجد رسماً لرجلين يصطادان اللآلئ.
أما تمثيل شبه الجزيرة العربية فجاء مقتضباً بعض الشيء، فنرسم لرجل يؤدي طقوس الصلاة رافعاً يديه بالدعاء مع إشارة إلى مدينة مكة، وإلى اليمين سيدة بهيئة فخمة تتزين بتاج ذهبي هي الملكة بلقيس، مع إشارة إلى أن هذه البقعة الجغرافية هي نفسها التي حكمتها ملكة مملكة سبأ الشهيرة. وفي وسط آسيا نجد تمثيلاً لسلطان بلاد الهند وإلى جواره نص يشير إلى أنه يملك سبعمائة فيل ومئة ألف فارس.
أما الجزء الأكثر ثراءً فهو شرق آسيا، الذي صوَّره رسام الأطلس اعتماداً على كثير من المعارف والأساطير المتوارثة. ففي الشمال الشرقي ثمَّة تمثيل لقصة الإسكندر الأكبر ويأجوج ومأجوج محاطين بسور من حجر، وفي الأسفل ملك محاط بأتباعه مع إشارة إلى أنه ملك يأجوج ومأجوج. إلى أن نصل إلى دولة الصين (كاتاي) والعاصمة “خان باليق” أو “دادو”، حيث أشار رسام الأطلس إلى أنها المدينة التي يسكنها الحاكم المغولي أعظم ملوك التتار قوبيلاي خان، الذي يحميه 12,000 فارس ويقيم في المدينة ثلاثة أشهر فقط. وفي أسفل الخريطة، وتحديداً في المحيط الهندي، ثمَّة رسم لجزيرة سومطرة.
خلاصة
على هذا، لا يمثل الأطلس الكتالوني خريطة للعالم فحسب، بل خريطة للخيال الأوروبي في القرن الرابع عشر أيضاً، حيث تتجاور المعرفة الملاحية الدقيقة مع الروايات والأساطير والتصورات الذهنية التي شكلت رؤية أوروبا لإفريقيا والشرق.
*كاتبة من مصر
*ينشر بالتزامن مع دورية “افق” الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.



