ساعة قمرية فائقة الدقة داخل فوهات الظلام الأبدي.. الحل لتحدي الزمن على سطح القمر

تستعد البشرية للعودة إلى القمر واستيطانه ضمن برنامج وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، لكن هناك تحديات تواجه تلك المهمات، وهو كيف يمكن ضبط الوقت على سطح القمر بدقة تكفي للملاحة والهبوط وإدارة القواعد البشرية المستقبلية؟
فوهات الظلام الأبدي ملاذ العلماء
الإجابة تأتي من مكان شديد الظلام والبرودة، داخل فوهات قمرية لا تصلها أشعة الشمس أبداً، تُعرف باسم “فوهات الظلام الأبدي”، تلك الفوهات التي توجد في منطقة القطبين الشمالي والجنوبي للقمر والتي هي عبارة عن حفر عميقة تبقى غارقة في الظلام بشكل دائم بسبب زاوية دوران القمر حول الأرض والشمس.
هذه الفوهات تتميز بدرجات حرارة منخفضة للغاية تصل إلى نحو -223 درجة مئوية، إضافة إلى غياب الهواء والاهتزازات تقريباً، ما يجعلها بيئة مثالية لتشغيل أجهزة فائقة الحساسية.
ويرى فريق من الباحثين بقيادة الفيزيائي جون يي أن هذه المواقع قد تكون الأنسب لبناء أدق “ساعة قمرية” عرفها البشر.
كيف ستعمل الساعة القمرية؟
تعتمد الفكرة على وضع ليزر شديد الدقة داخل تجويف مصنوع من السيليكون ومبرد إلى درجات قريبة من الصفر المطلق، هذا الليزر سيعمل كمرجع زمني رئيسي للقمر، يمكنه إرسال إشارات توقيت دقيقة للغاية إلى المركبات الفضائية والأقمار الصناعية التي تدور حول القمر.
ويقترح العلماء أيضاً تثبيت ليزر ثانٍ على حافة الفوهة لربط نظام التوقيت بالمركبات القادمة والهابطة على السطح، في خطوة قد تشكل نواة “GPS قمري” مستقبلي.
لماذا يحتاج القمر إلى توقيت خاص؟
وفقاً لنظرية النسبية، فإن الزمن لا يمر بالمعدل نفسه في كل مكان، وبسبب اختلاف الجاذبية بين الأرض والقمر، فإن الساعة على سطح القمر تتحرك أسرع قليلاً من نظيرتها على الأرض.
رغم أن الفرق الزمني على القمر لا يتجاوز 0.0000575 ثانية يومياً مقارنة بالأرض، فإنه يزداد تدريجياً مع مرور الوقت ليصل إلى نحو 5.75 ثوان بعد حوالي 274 عاماً.
وقد يبدو هذا الفارق غير مهم للبشر، لكنه بالغ الحساسية بالنسبة لأنظمة الملاحة والمركبات الفضائية، لأن عمليات الهبوط والتوجيه تعتمد على دقة زمنية فائقة، وأي خطأ بسيط قد يسبب مشكلات خطيرة أثناء التنقل أو الهبوط على سطح القمر.
أدق الساعات في التاريخ وفوائد تتجاوز القمر
المشروع يستند إلى التطور الكبير في الساعات الذرية البصرية، وهي أجهزة دقيقة لدرجة أنها تستطيع قياس اختلافات الجاذبية بين قمة الجبل وقاعدته.
ويُعد فريق الباحث جون يي من أبرز المساهمين في تطوير “ساعة الشبكة البصرية”، التي توصف بأنها الأدق في العالم حالياً، وقد ساعدت في دفع العلماء نحو إعادة تعريف “الثانية” مستقبلاً بدقة غير مسبوقة.
لا تقتصر أهمية هذا النظام على استكشاف القمر فقط، بل ستنعكس نتائجه على الأرض أيضاً، من خلال تحسين أنظمة الملاحة العالمية والاتصالات وتقنيات قياس الزمن فائقة الدقة.
ومع توسع خطط ناسا لبناء وجود بشري دائم على القمر عبر برنامج أرتميس، يبدو أن سؤال “كم الساعة على القمر؟” لم يعد مجرد فضول علمي، بل خطوة أساسية نحو الحياة خارج الأرض.



