اقتصاد

الأسواق العالمية تتأرجح بين ارتداد التكنولوجيا وتراجع النفط بأكبر خسارة أسبوعية منذ الجائحة

الأسواق العالمية تتأرجح بين ارتداد التكنولوجيا وتراجع النفط بأكبر خسارة أسبوعية منذ الجائحة

أنهت الأسواق العالمية أسبوعاً مضطرباً شهد تقلبات حادة، حيث امتدت موجة بيع كثيفة لأسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من بورصة وول ستريت إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، وذلك في ظل إعادة المستثمرين تقييم آفاق هذا القطاع والمخاطر المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.

ورغم تسجيل الأسهم الأمريكية تعافياً جزئياً خلال جلسة الجمعة، وتراجع حدة التقلبات في وول ستريت، فإن مؤشرات القلق بقيت مرتفعة، مما يشير إلى أن عودة الرغبة في المخاطرة لا تزال حذرة ولم تتحول بعد إلى موجة شراء واسعة النطاق.

أما في أسواق السلع، فسجل خام برنت أداءً أسبوعياً هو الأسوأ منذ بداية جائحة كورونا، مدفوعاً بتوقعات زيادة المعروض واحتمالات تراجع التوترات في الشرق الأوسط، في حين أن المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات عبر الخليج ومضيق هرمز حدت من انخفاض الأسعار.

وفي المقابل، تمكن الذهب من الحفاظ على مكاسبه الأسبوعية، مستفيداً من حالة عدم اليقين المستمرة وتقلبات الأسواق، على الرغم من الضغوط المرتبطة بتوقعات التضخم والسياسة النقدية.

اقرأ أيضاً: الإمارات وكينيا تعززان التعاون الاستثماري في البنية الرقمية والذكاء الاصطناعي

وول ستريت بين ارتداد مؤقت ومخاوف دائمة

في الولايات المتحدة، حققت أسهم وول ستريت انتعاشاً في معظمها يوم الجمعة، لتعكس مسارها بعد أن تبخرت تريليونات الدولارات من قيمة الأسهم العالمية. وارتفع مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1.56%، وصعد مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 0.76%، في حين ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.02% قرب نهاية التداولات. وجاءت هذه المكاسب بعد جلسة خميس شهدت واحدة من أقوى موجات البيع منذ أبريل 2025، حيث هبط ناسداك بنسبة 5.5% وفقد نحو 2.5 تريليون دولار من قيمته السوقية، وانخفض إس آند بي 500 بنسبة 4.4%، وخسر داو جونز أكثر من 1800 نقطة (3.4%). وأغلقت جميع القطاعات الـ11 المدرجة ضمن إس آند بي 500 على انخفاض، وكانت الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في مقدمة الخاسرين.

وتصدرت أسهم شركات الرقائق قائمة المستفيدين من الارتداد، فارتفع سهم ميكرون بنسبة 6% بعد خسارته 17% في الجلسة السابقة، وصعد سهم إنفيديا بنحو 5% بعد انخفاضه 9%. وذكر التقرير أن مجموعة العظماء السبعة فقدت نحو تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة الخميس وحدها. ومع ذلك، لم يبدد تعافي الأسهم المخاوف، إذ انخفض مؤشر التقلبات فيكس (مؤشر الخوف في وول ستريت) بنسبة 14.27% إلى 24.16 نقطة، بعد أن أنهى جلسة الخميس عند 28.18 نقطة، لكنه بقي فوق مستوى 20 نقطة الذي يعكس عادة ارتفاعاً في القلق، مما يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر.

وتتركز المخاوف حول مستقبل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، خاصة بعد أن أثارت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تساؤلات حول احتمال تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات. ودعا سياسيون ديمقراطيون إلى الحد من التوسع في هذه المنشآت، بينما قالت جينا هينوجوسا، الحاكمة المنتخبة لولاية تكساس، إن الولاية تحتاج إلى وقف التوسع الحالي في مراكز البيانات ريثما يتم توفير ضمانات لحماية السكان. كما تتجاوز المخاوف القيود التنظيمية إلى الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات الضخمة وتوقيت تحولها إلى إيرادات وأرباح فعلية، بالإضافة إلى تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على الشركات الصغرى. وفي هذا السياق، أشار ستيوارت كلارك، مدير المحافظ الاستثمارية لدى كويلتر، إلى أن التراجعات الحادة كشفت مخاطر تركيز الاستثمارات في عدد محدود من أسهم التكنولوجيا، موضحاً أن الوزن الكبير لهذه الشركات يجعل أي ضعف في أدائها ينعكس سريعاً على المؤشرات الرئيسية. واتجه ناسداك إلى خسارة أسبوعية بنحو 4.4% وإس آند بي 500 بنحو 3%، في حين بلغت خسارة داو جونز 0.5%. وزادت بيانات الوظائف الأمريكية من تعقيد المشهد، إذ أضاف الاقتصاد 165 ألف وظيفة في القطاعات غير الزراعية خلال أكتوبر، متجاوزاً التوقعات البالغة 59 ألفاً، في حين انخفض معدل البطالة إلى 4.1% مقابل توقعات باستقراره عند 4.2%.

أوروبا: التكنولوجيا تهوي والقلق يتسع

في أوروبا، أغلقت الأسهم على انخفاض في ختام تعاملات الجمعة، مع استمرار تأثير موجة البيع العالمية واستمرار تقييم المستثمرين لانعكاسات التحولات السياسية في الولايات المتحدة على قطاع الذكاء الاصطناعي. وانخفض مؤشر ستوكس 600 الفرعي لقطاع التكنولوجيا بنسبة 0.16% إلى 977 نقطة، لكنه قلص خسائره بفضل الانتعاش في وول ستريت. وامتدت الضغوط إلى قطاعات الإعلام والتجزئة والرعاية الصحية، كما طالت أسهماً في قطاعات دفاعية مثل الاتصالات والأدوية، مما عكس اتساع نطاق الحذر. وكانت المؤشرات الأوروبية قد تعرضت لضغوط منذ بداية موجة البيع، رغم أن الأسواق الأوروبية تضم عدداً أقل من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مقارنة بنظيرتيها الأمريكية والآسيوية. وسجل مؤشر داكس الألماني خسارة بلغت 2.5%، في حين افتتحت مؤشرات لندن وباريس وفرانكفورت على انخفاضات تجاوزت 1%.

اقرأ أيضاً: موجة بيع عالمية تكتسح الأسواق: التكنولوجيا والرقائق في مرمى النيران والذهب يتألق

آسيا: نيكاي يسجل أسوأ أسبوع منذ 2020

امتدت موجة البيع إلى الأسواق الآسيوية، وكان قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات في صدارة الضغوط، خاصة في اليابان وكوريا الجنوبية. وفي اليابان، هبط مؤشر نيكاي بنسبة 6% إلى 57,434.77 نقطة، مسجلاً أكبر انخفاض يومي له منذ أبريل 2025، بينما بلغت خسارته الأسبوعية 9.3%، وهي الأكبر منذ مارس 2020 خلال ذروة جائحة كورونا. وشملت الخسائر 222 شركة من أصل 225 مدرجة في المؤشر، مقابل ارتفاع ثلاثة أسهم فقط. وانخفض سهم مجموعة سوفت بنك بنسبة 10.8%، وسهم شركة أدفانتست المتخصصة في معدات اختبار الرقائق بنسبة 5%، كما تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 5.9% مع انخفاض جميع مؤشراته القطاعية البالغ عددها 33 مؤشراً.

وفي كوريا الجنوبية، انخفض مؤشر كوسبي بنسبة 6% إلى 5060 نقطة، بعد أن هبط بنحو 9% خلال التعاملات المبكرة متجاوزاً حاجز 5000 نقطة للمرة الأولى منذ فبراير، قبل أن يقلص جانباً من خسائره. وأدت التقلبات الحادة إلى تعليق التداول في بورصة سول لمدة 20 دقيقة. وخسر سهم إس كيه هاينكس نحو 11%، في حين تراجع سهم سامسونغ إلكترونيكس 8%. ورغم هذه الخسائر، ظل المؤشر مرتفعاً بنحو 20% منذ بداية العام، لكنه ابتعد كثيراً عن مستواه القياسي المسجل في يونيو. ولم تقتصر الخسائر على اليابان وكوريا، إذ انخفض مؤشر سي إس آي 300 الصيني بنسبة 1.7%، وتراجع مؤشر تايكس التايواني بنسبة 4.7% متأثراً بانخفاض سهم شركة تي إس إم سي لصناعة أشباه الموصلات. كما سجلت أسواق هونغ كونغ وسيدني وسنغافورة وجاكرتا وبانكوك ومانيلا وويلينغتون خسائر.

أسواق الدين الأوروبية: تراجع العوائد وارتفاع الطلب على الأمان

في أسواق الدين الأوروبية، استقرت عوائد السندات البريطانية وسندات منطقة اليورو نسبياً خلال جلسة الجمعة، مع قيام المستثمرين بإعادة تقييم مراكزهم. واستقر عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات عند 3.25%، بعد أن لامس 3.2075% (أدنى مستوى منذ 26 أغسطس)، متجهاً إلى تسجيل انخفاض أسبوعي بنحو 7 نقاط أساس، مما يعكس زيادة الطلب على السندات الألمانية كأصول عالية الجودة في أوقات اضطراب أسواق الأسهم. وقال روس هاتشينسون، رئيس استراتيجية السوق والاقتصاد لمنطقة اليورو في شركة زيورخ للتأمين، إن السندات تؤدي دورها التقليدي في مثل هذه الظروف، مشيراً إلى جاذبية السندات الأمريكية والألمانية للمستثمرين الباحثين عن الأمان. وفي فرنسا، تراجعت علاوة مخاطر الديون (الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات) إلى 152 نقطة أساس، مقارنة بنحو 165 نقطة أساس في نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن وصلت في وقت سابق إلى 178 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر 2011. ويتجه عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى تسجيل انخفاض أسبوعي بنحو 20 نقطة أساس، في حين استقر عائد السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات عند 4.344% مع فارق 108 نقاط أساس عن السندات الألمانية.

اقرأ أيضاً: وول ستريت تخسر 3.2 تريليون دولار في جلسة واحدة بدفع من مخاوف الذكاء الاصطناعي

وعلى صعيد السياسة النقدية، قلص المتعاملون توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي، إذ أشارت عقود الفائدة قصيرة الأجل باليورو إلى مستوى يقارب 3.02% بحلول أواخر 2027، مقارنة بتوقعات بلغت 3.25% في نهاية أكتوبر. ومع ذلك، ظلت الأسواق تسعر احتمالاً بنحو 80% لرفع الفائدة في ديسمبر، مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 2.5%. ولم تؤدِ إضافة الاقتصاد الأمريكي 165 ألف وظيفة خلال أكتوبر إلى تغيير ملموس في حركة عوائد السندات الأوروبية.

النفط: أكبر خسارة أسبوعية منذ الجائحة رغم المخاطر الجيوسياسية

في أسواق الطاقة، سجل خام برنت أكبر خسارة أسبوعية له منذ بداية جائحة كورونا، وسط تزايد التوقعات بإمكانية انحسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد ينتج عن ذلك من زيادة صادرات النفط من الشرق الأوسط. وخلال تعاملات الجمعة، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يناير 31 سنتاً (0.3%) إلى 98.60 دولاراً للبرميل، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 48 سنتاً (0.5%) إلى 91 دولاراً للبرميل. لكن برنت ظل متجهاً لخسارة أسبوعية بنحو 16%، وهي الأكبر منذ بداية الجائحة، كما تمثل أكبر انخفاض أسبوعي له من حيث القيمة المطلقة وفق بيانات مجموعة بورصات لندن الممتدة منذ 1988. وكان الخام الأمريكي يتجه إلى خسارة أسبوعية بنحو 13%. وتعرض النفط لضغوط بعد هبوط الأسعار 8% يوم الأربعاء، مع تنامي التوقعات بانحسار التوترات عقب نتائج الانتخابات الأمريكية، إلى جانب مؤشرات على فائض في المعروض. وعادت العلاوات الفورية للخامات القياسية في الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الصراع، لكن الهجمات على ناقلات النفط في الخليج ومضيق هرمز حدت من خسائر الأسعار وأعادت المخاوف بشأن أمن الإمدادات إلى الواجهة. وتشير بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إلى استمرار الهجمات على ناقلات النفط بوتيرة تقترب من مستويات قياسية. وقال جانيف شاه، المحلل لدى شركة ريستاد، إن سوق النفط تتجه نحو فائض في المعروض، لكن الفوارق في جودة الخامات والقيود اللوجستية لا تزال قائمة، ومنها طول مسارات الشحن والحاجة إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى. في المقابل، حذر مات ستانلي من شركة كبلر من اعتبار انخفاض الأسعار دليلاً على اختفاء المشكلات الأساسية.

الذهب: مكاسب أسبوعية رغم ضغوط أسعار الفائدة

في المعادن النفيسة، تراجع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3% إلى 4076.91 دولاراً للأونصة، لكنه ظل متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 5%، وهي الأفضل في أكثر من شهرين. كما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنسبة 0.6% إلى 4088 دولاراً. وتأثر المعدن النفيس بتقلبات النفط ومخاوف التضخم، إذ يمكن لارتفاع تكاليف الطاقة أن يعزز الضغوط السعرية ويدفع البنوك المركزية إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً، مما يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب. وبحسب أداة فيد ووتش، بلغت توقعات المتعاملين لاحتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في ديسمبر نحو 64%. وفي تطور لافت، خفض بنك غولدمان ساكس تقديراته لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 4150 دولاراً للأونصة، بدلاً من 4650 دولاراً، عازياً ذلك إلى تداعيات السياسة النقدية الأكثر تشدداً في الولايات المتحدة. وبالنسبة للمعادن الأخرى، انخفضت الفضة بنسبة 0.6% إلى 52.08 دولاراً للأونصة، وتراجع البلاتين 1% إلى 1531.92 دولاراً، في حين استقر البلاديوم تقريباً عند 1029.87 دولاراً، وكانت المعادن الثلاثة تتجه إلى تسجيل مكاسب أسبوعية.

وتكشف تحركات الأسواق خلال الأسبوع عن تباين واضح بين الأصول؛ فالأسهم تحاول استعادة توازنها بعد موجة بيع مرتبطة بتقييمات التكنولوجيا ومخاطر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، والسندات تستفيد من البحث عن الأمان، في حين يتحرك النفط تحت تأثير توقعات المعروض والمخاطر الجيوسياسية، ويحتفظ الذهب بمكاسبه رغم ضغوط الفائدة.

المزيد في قسم اقتصاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *