الرئيسيةعربي و عالميتدخل أميركي ياباني مشترك لوقف انهيار...
عربي و عالمي

تدخل أميركي ياباني مشترك لوقف انهيار الين يعيد تشكيل التحالف الاقتصادي بين البلدين

07/08/2026 21:00

الخطوة التي نفذتها الولايات المتحدة واليابان بالتدخل المباشر والمنسق في أسواق الصرف الأجنبي تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز مجرد تهدئة تقلبات العملات، لتصل إلى إعادة رسم معالم الاستقرار المالي العالمي.

تحرك مزدوج يغير قواعد اللعبة

هذا التحرك المشترك، الذي دفع الدولار للانخفاض دون 160 ينًا وصولاً إلى 157.62 ين، يمثل تحولاً جذرياً في التعامل مع التراجع التاريخي للين الذي بلغ 164 ينًا للدولار. إذ أرسلت إدارة الرئيس دونالد ترامب، عبر وزير الخزانة سكوت بيسنت وبالتنسيق مع وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما وبنك الاحتياطي الفيدرالي، رسالة واضحة للمضاربين مفادها أن واشنطن لن تتسامح مع انهيار العملة اليابانية نظراً للتهديد المباشر الذي يشكله على سوق سندات الخزانة الأمريكية واستقرار أسواق الأسهم والائتمان عالمياً.

ضغوط إضافية على الدولار

تزامن هذا التدخل مع ضغوط أخرى واجهها الدولار نتيجة بيانات التوظيف الأمريكية غير الزراعية لشهر يوليو، والتي جاءت أقل من التوقعات ومخيبة للآمال، مع مراجعات تنازلية لأرقام يونيو. أدى ذلك إلى تراجع مؤشر الدولار إلى 99.49 نقطة، وصعود الذهب كملاذ آمن في المعاملات الفورية إلى 4336.09 دولاراً للأونصة.

عززت هذه البيانات توقعات الأسواق بوجود احتمال يقارب 56% لبقاء أسعار الفائدة الفيدرالية دون تغيير أو التمهيد لتخفيضات أسرع، مما يساهم في تضييق الفجوة بين الفائدة الأمريكية واليابانية وتخفيف الضغط الهيكلي عن الين.

خبراء ينفون فرضية التلاعب المتعمد

رفض خبراء المال والاقتصاد في اليابان الفكرة المتداولة في بعض الأسواق حول كون الأزمة “مفتعلة” من قبل طوكيو على غرار السياسات النقدية الصينية لتعزيز الصادرات. وأجمعوا على أن انخفاض الين لم يكن سيناريو موجهاً أو متعمداً، بل نتج عن اتساع الفجوة الهيكلية بين فائدة بنك اليابان (1.0%) وفائدة بنك الاحتياطي الفيدرالي (بين 3.5% و3.75%)، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز المسال والسياسة المالية التوسعية للحكومة اليابانية.

على الرغم من أن الين الضعيف يوفر عادة دعماً مؤقتاً لأرباح الشركات اليابانية المصدرة عبر جعل منتجاتها أكثر تنافسية، إلا أن تراجعه الحاد تحول من ميزة تجارية إلى “كابوس اقتصادي”، مما تسبب في موجة تضخم مستورد وأثقل كاهل الأسر اليابانية وأضر بشعبية إدارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي. كما أن استمرار انخفاض الين هدد بنزيف في الاستثمارات المحلية واضطراب في سلاسل التوريد، مما ينفي فكرة تعمد إضعاف العملة إلى درجة تضر بالاستقرار الداخلي.

اهتمام تحليلي واسع في اليابان

حظي التدخل الأمريكي باهتمام كبير في وسائل الإعلام اليابانية الكبرى. أبرزت صحيفة “نيكي” الاقتصادية أن مشاركة الخزانة الأمريكية تمنح التدخل قوة ردع نفسية تتجاوز بكثير التدخلات الأحادية التي كان يقوم بها بنك اليابان بمفرده، مشيرة إلى أن السوق كان يراهن على استنزاف الاحتياطيات اليابانية، بينما دخول واشنطن بطاقتها المالية الكاملة ومبيعات اليورو لشراء الين عبر بنوك مثل “غولدمان ساكس” و”مورغان ستانلي” غير قواعد اللعبة تماماً لدى صناديق التحوط.

أما صحيفة “يوميوري شيمبون” فأشارت إلى أن هذا الدعم المباشر يعكس نقلة نوعية في مفهوم “الأمن الاقتصادي” بين واشنطن وطوكيو، حيث أصبح استقرار الين جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والتحالف الاستراتيجي لمواجهة النفوذ الصيني في آسيا.

في السياق نفسه، حذرت صحيفة “أساهي شيمبون” من أن التدخل في سوق الصرف، رغم أهميته الفورية، يظل علاجاً للأعراض وليس للمرض؛ إذ يتوجب على بنك اليابان مواصلة تطبيع سياساته النقدية وتقليص الفارق في أسعار الفائدة للحد من عمليات “تجارة الفائدة” التي تضغط على الين.

آراء الخبراء حول الاستدامة

قال سوئيتشيرو تاتيشي، الخبير الاقتصادي في “معهد أبحاث اليابان”، إن “تأثير التدخل المشترك سيكون أكثر استدامة وأطول أمداً مقارنة بالتصرف الفردي لليابان، لأن المشاركة الأمريكية تجعل الأسواق تحسب ألف حساب قبل بناء مراكز مدنية ضد الين، حتى إن كان الاتجاه العام للعملة سيتحدد في النهاية بمسار الفائدة الحقيقية”.

أكد نوبوياسو أتاغو، رئيس الخبراء الاقتصاديين في “مؤسسة راكوتن للأبحاث الاقتصادية” والمسؤول السابق في بنك اليابان، أن “تأثير نفوذ سكوت بيسنت والإدارة الأمريكية كان حاسماً؛ فالولايات المتحدة باتت تتعامل مع استقرار السوق الياباني كأولوية لحماية سوق السندات الأمريكية نفسه، وهو ما يمنح طوكيو مظلة حماية غير مسبوقة”.

تأثيرات على التجارة البينية والآفاق المستقبلية

سينعكس كبح هبوط الين بشكل مباشر على التجارة بين البلدين، إذ سيزيل الامتياز السعري المفرط للمنتجات والسيارات اليابانية في الأسواق الأمريكية، مما يمنع زيادة الفائض التجاري لصالح اليابان الذي بلغ نحو 63.9 مليار دولار، وفي الوقت نفسه يعزز قدرة طوكيو على استيراد الغاز والنفط والمنتجات الزراعية الأمريكية بتكلفة أقل.

يتوقع المتابعون للأسواق المالية أن يتجه الين نحو مستويات أكثر استقراراً بين 150 و155 ينًا للدولار، شريطة أن تتواصل التنسيقات الثنائية وأن يبدأ الفيدرالي الأمريكي في تخفيض الفائدة بالتوازي مع خطوات تدريجية لبنك اليابان لرفع الفائدة، مما يضمن كبح التضخم المستورد في اليابان وحماية القوة الشرائية للأسر دون حرمان الصادرات اليابانية من تنافسيتها التكنولوجية والصناعية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *