الرئيسيةعربي و عالميالمونديال يتحول إلى ساحة مراقبة ذكية...
عربي و عالمي

المونديال يتحول إلى ساحة مراقبة ذكية بين ثلاث دول

16/06/2026 17:00

مع اقتراب الأنظار من بطولة العالم لكرة القدم في عام 2026، يتجاوز المشهد داخل الملاعب حدود الكرة واللاعبين إلى عالم من الكاميرات والبوابات الذكية وأنظمة التعرف على الوجوه ومراقبة الحشود، فضلاً عن إجراءات مكافحة الطائرات المسيَّرة. فالمشجع الذي يقتحم المدرج مرتديًا قميص بلده وتذكرته وهاتفه، يدخل في آنٍ واحد إلى شبكة ضخمة من التقنيات التي تراقبه وتُسجِّل تحركاته.

تقنيات مراقبة متكاملة في ثلاث دول

حسب ما أوردته مجلة “وايرد”، فإن البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تشهد توظيفًا متزايدًا لأنظمة الأمن المتقدمة، من مكافحة الدرون إلى التعرف على الوجوه، مرورًا بمراكز قيادة ذكية وكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتطرح المجلة تساؤلًا جوهريًا حول الحد الذي قد تصل إليه مراقبة الجماهير إلى أن تصبح روتينًا دائمًا.

حجم الجماهير وتحديات لوجستية

تُعد هذه النسخة من المونديال الأولى التي تُنظم عبر ثلاث دول وفي ستة عشر مدينة مستضيفة، ويتوقع أن يتجاوز عدد الحضور خمسة ملايين مشجع. هذه الأرقام تجعل الحدث أحد أكبر التجمعات البشرية المنظمة على مستوى العالم، ما يفرض على المنظمين تحديًا أمنيًا ولوجستيًا يفوق الجانب الرياضي.

المدن ليست مستعدة فقط لاستضافة المباريات، بل تستقبل تدفقًا هائلًا من الجماهير عبر المطارات والفنادق ومحطات النقل والمناطق المجاورة للملاعب. وهنا تصبح الكاميرا جزءًا لا يتجزأ من بنية الحدث، إذ تُراقب الازدحامات وتُسجل الدخول والخروج وتستطلع الفضاء الجوي فوق الملاعب، وتبحث عن أي سلوك يُصنَّف على أنه غير طبيعي.

الوجه كمفتاح للبيانات

من أبرز الابتكارات في هذه البطولة هو الاعتماد على تقنية التعرف أو التحقق بالوجه. في ظاهرها، تعد هذه التقنية بتسريع عملية الدخول وتقليل الطوابير، لكن السؤال يتعاظم حول مصير البيانات التي تُستخلص من وجوه المشجعين.

تشير تقارير متخصصة إلى أن القياسات الحيوية أصبحت محورًا أساسيًا في تطوير الملاعب الحديثة، حيث أفادت دراسة “ستاديوم تيك ريبورت” أن نحو 47٪ من مسؤولي الملاعب والجهات المشغلة أدرجت تقنيات القياسات الحيوية، بما فيها المصادقة الوجهية، ضمن أولوياتها لعام 2025. وهذا يعني أن الوجه لم يعد مجرد هوية شخصية، بل تحول إلى بطاقة دخول وربما وسيلة دفع وأداة فرز أمني.

الفجوة تكمن بين الاستخدام الطوعي للوجه لتسريع الخدمة، وبين جمع صور الوجوه دون وضوح حول من يحتفظ بهذه البيانات، مدة حفظها، ومن يملك حق الوصول إليها. وهنا يتحول النقاش من مسألة راحة إلى مسألة خصوصية: هل يحق للمشجع رفض هذه التقنية؟ وهل توجد بدائل حقيقية لمن لا يرغب في استغلال وجهه؟

السوق العالمية لأمن الملاعب

يتجه قطاع أمن الملاعب نحو نمو هائل؛ فحسب تقديرات مؤسسة “فيوتشر ماركت إنسايتس”، من المتوقع أن يرتفع حجم السوق العالمي من 13.1 مليار دولار في عام 2025 إلى 26.2 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.2٪. وتستحوذ معدات المراقبة والذكاء الاصطناعي على أكثر من 52٪ من إجمالي الإنفاق الأمني.

وتشير تقديرات “إس إن إس إنسايدر” إلى أن سوق أمن الملاعب بلغ نحو 12.57 مليار دولار في 2025، وقد يصل إلى 26.45 مليار دولار في 2035، مع هيمنة العتاد الأمني مثل الكاميرات والبوابات وأجهزة المسح على نصف الإنفاق.

أما سوق المراقبة بالفيديو عالميًا، فقد بلغ حوالي 58.5 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يقترب من 99.7 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو يقارب 9.3٪ سنويًا، ما يُظهر أن الملاعب أصبحت منصة لبيع الأمن كخدمة والبيانات كقيمة.

مراقبة جماعية تتجاوز حدود الملعب

لا تقتصر الرقابة على داخل الملاعب فقط. فقد كشف تقرير آخر لمجلة “وايرد” عن وجود 1,181 قارئًا للوحة السيارات ضمن دائرة خمسة أميال من أحد عشر ملعبًا أمريكيًا مستضيفًا للمونديال. وعلى سبيل المثال، يضم ملعب “NRG” في هيوستن وحده 323 قارئًا، بينما توجد 240 كاميرا من نفس النوع قرب ملعب مرسيدس-بنز في أتلانتا.

هذه الأنظمة لا تلتقط وجوه المشجعين، بل تسجل مسارات السيارات، وتجمع رقم اللوحة، والموقع، والوقت، مع إمكانية ربطها بشبكات أوسع تستخدمها جهات حكومية أو أمنية أو خاصة، ما يحول حضور المباراة إلى نقطة على خريطة حركة.

المتخصصون في الخصوصية يحذرون من أن الإجراءات الاستثنائية المتبعة خلال المونديال قد تتحول إلى بنية دائمة بعد انتهاء البطولة. فالتاريخ يُظهر أن بعض التقنيات التي تُدخل باسم “حدث مؤقت” قد تظل موجودة في الشوارع والمطارات بعد ذلك.

وبالتالي، يظل السؤال الأساسي: ما نوع الأمن الذي نحتاجه؟ ومن يراقب من يراقبنا؟ إن الشفافية حول كيفية تخزين البيانات واستخدامها ومشاركتها مع جهات أخرى ما زالت غائبة، مما يضع الخصوصية تحت خطر أكبر من مجرد وجود كاميرا واحدة.

بالنسبة لشركات التقنية، تُعد البطولة منصة عرض عالمية؛ فنجاح نظام ما في تنظيم دخول آلاف المشجعين قد يفتح أسواقًا أمام المطارات والمهرجانات والمراكز التجارية. كذلك، فإن إثبات قدرة نظام ذكاء اصطناعي على إدارة الحشود قد يسهل تسويقه للمدن الكبرى.

في النهاية، يشتري المشجع تذكرة لحضور مباراة، لكنه يخطو أيضًا إلى بيئة اقتصادية تستثمر في أمانه وبياناته. ومع تزايد حجم الحدث، تزداد فرص الشركات لاختبار أدواتها أمام الجمهور العالمي، ما يجعل الراحة التي تُروَّج لها كميزة قد تتحول إلى تنازل صريح عن الخصوصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *