الرئيسيةعربي و عالميالمرونة والحوكمة: معيار جديد لاختيار الشركات...
عربي و عالمي

المرونة والحوكمة: معيار جديد لاختيار الشركات الناشئة في أجواء استثمارية متقلبة

16/06/2026 17:00

في ظل تصاعد صعوبة الحصول على تمويل، لم تعد السرعة في النمو كافية لكسب ثقة المستثمرين؛ بل باتت جودة الحوكمة هي العامل الحاسم. هذه الفكرة هي التي سادت خلال جلسة رفيعة المستوى نظمتها منصة “شراع” بالتعاون مع مبادرة “بيرل” والهلال للمشاريع، حيث تفاعل مؤسسون ومستثمرون ومسرّعات أعمال مع قادة ريادة الأعمال لتحديد ما يمنح الشركات الناشئة وأطرها قدرة على الصمود في أوقات التقلب.

تفاصيل الفعالية ومشاركوها

أدار النقاش راخيل فرناندو، رئيس الهلال للمشاريع الابتكارية، في إطار برنامج بناء المشروعات التابع للهيئة، وشملت اللجنة كلًّا من لبنى سهراب، رئيسة قسم المجتمع في مركز الشارقة لريادة الأعمال “شراع”؛ أشوين جوشي، مدير “ستارت إيه دي”؛ سودارشان باريك، نائب الرئيس الأول في الهلال للمشاريع الناشئة؛ وأمير ميلاد، الرئيس التنفيذي لشركة “آيون”. وقد حظيت الفعالية بحضور واسع من ممثلي قطاع الاستثمار ورواد الأعمال في المنطقة.

الحوكمة كعامل أساسي في أوقات عدم اليقين

أوضح رالف شويري، الرئيس التنفيذي لمبادرة “بيرل”: “تظهر أوقات الاضطراب الحقيقي هوية الشركات. الأداء المالي لا يغني عن وجود نظام حوكمة رصين يمكّن المؤسسة من اتخاذ قرارات مدروسة، وإدارة المخاطر، والحفاظ على ثقة جميع الأطراف المعنية. إن المؤسسات التي تتبنى رقابة واضحة ومساءلة قوية وتدار بصرامة قادرة على تجاوز الأزمات وتخرج منها أقوى. وفي السياق الحالي، أصبحت الحوكمة ركيزة أساسية للمرونة والاستقرار على المدى الطويل”.

تطبيق الحوكمة قبل الأزمات

تأتي الفعالية في إطار تعاون مستمر بين “بيرل” والهلال للمشاريع يهدف إلى غرس مفهوم الحوكمة كعادة يومية في أعمال دول الخليج، بحيث تُبنى قبل أن تُختبر ولا تُرتجل عند ظهور أول أزمة. وأبرزت الجلسة العناصر التي يجب أن تتوفر في نظام الحوكمة عندما يواجه الشركة ضغوطًا، إلى جانب الإشارات المبكرة التي ينبغي على المؤسسين ومجالس الإدارات مراقبتها قبل أن تنعكس على القوائم المالية. كما تم عرض نموذج لقياس درجة النضج يساعد كل من المؤسسين والمستثمرين على تحديد موقع شركاتهم قبل حدوث أي انكماش.

آراء القادة حول المخاطر والمرونة

صرّح سودارشان باريك، نائب الرئيس الأول في الهلال للمشاريع الناشئة: “المستثمرون لا يسعون لتفادي المخاطرة بحد ذاتها، بل يبحثون عن كيانات ذات هياكل قادرة على امتصاص الصدمات، تتمتع بسلطات واضحة لاتخاذ القرار، ورقابة فعلية، ومؤسسين يرون في الحوكمة وسيلة للحماية لا قيدًا. ومع تشديد السوق، يصبح هذا هو الفارق الذي يميز الشركات التي ندعمها بثقة عن غيرها”.

وتوصل المتحدثون إلى أن سؤال المستثمر قبل توقيع الشيك لم يعد يقتصر على معدل النمو، بل يتعداه إلى قدرة هذا النمو على الاستمرار تحت الضغوط عندما يتقلب السوق. وأشاروا إلى أن أولى العلامات الضعيفة لا تظهر عادةً في البيانات المالية، بل تتجلى في طريقة اتخاذ القرارات، وآلية تصعيد المخاطر، ومدى انضباط المؤسسين في تنظيم نموهم قبل أن يكشف الضغط نقاط الضعف.

الفجوة بين الابتكار والحوكمة

عكس النقاش نمطًا أوسع في السوق؛ حيث تتسارع الشركات في تبني تقنيات جديدة وتوسيع فرصها بسرعة تفوق إيقاع تطور هياكل الحوكمة لديها. وأظهرت الأبحاث المقدمة خلال اللقاء وجود فجوة متزايدة بين وتيرة الابتكار ومتطلبات الرقابة التي تضمن استدامته، خاصة مع تزايد دور الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وفقًا لتقرير “غارتنر”، من المتوقع أن تُهمل 60٪ من مشاريع الذكاء الاصطناعي بحلول نهاية العام الحالي نتيجة قصور في الحوكمة وجودة البيانات، بينما تشير دراسة “ماكنزي” إلى أن أقل من 40٪ من أكبر الشركات تمارس رقابة على الذكاء الاصطناعي على مستوى مجلس الإدارة. وبالتالي، فإن النمو السريع دون أنظمة داعمة يتحول سريعًا إلى مصدر للضعف بدلاً من أن يكون محفزًا للقوة.

دور المنظومة الداعمة والمستثمر البنّاء

إذا كانت الحوكمة ما تُنشئه الشركة داخليًا، فإن البيئة الخارجية هي ما تدعمها خارجيًا. شدد المشاركون على أهمية المستثمر البنّاء ومسرّعات الأعمال التي تقدم يد العون للمؤسسين قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات هيكلية، بالإضافة إلى خبراء مروا بتقلبات السوق عن كثب. وعُرضت مبادرات مثل صندوق “المرونة” لرواد الأعمال التابع لـ”شراع” كنموذج لقدرة منظومة الدعم على توفير مساعدة في الوقت المناسب، تساعد المؤسسين على الاستمرار وتعزيز استدامة أعمالهم خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي.

أشار أشوين جوشي، مدير “ستارت إيه دي”: “غالبًا ما تُعامل الحوكمة كموضوع ثانوي يُتناول فقط عندما يطلبها المستثمر. لكن أوقات عدم اليقين تجلب الحوكمة والمرونة إلى الصدارة مبكرًا، وهذا هو النهج الصحيح. إدماج هذه المتطلبات في صميم الإستراتيجية ومنهجية ملاءمة المنتج للسوق منذ البداية لا يُعد مجرد ميزة تنافسية، بل هو دليل على التفكير بعيد المدى الذي يطمح إليه جميع أصحاب المصلحة”.

الاستعداد للاضطرابات

من جانبه، صرح أمير ميلاد، الرئيس التنفيذي لشركة “آيون”: “نمو شركة تقنية يستلزم التكيف المستمر لتقود التغيير، لا أن تتبع تدفقه. لذا يجب أن تتطور الحوكمة والتنفيذ بصورة مستمرة، لتظل جاهزين لأي اضطراب، مرنين بما يكفي لتقديم استجابة سريعة. هذا الوعي هو ما يتيح للشركة عبور فترات عدم اليقين مع الحفاظ على الابتكار والبقاء في الصدارة”.

تُعد الفعالية خطوة أولى في مسار أوسع تقوده مبادرة “بيرل” والهلال للمشاريع، حيث سيُصدر تقرير مشترك يحوّل نتائج النقاش إلى إطار شامل يهدف إلى تعزيز مرونة الشركات الناشئة خلال الأزمات في دول مجلس التعاون الخليجي. سيوفر هذا الإطار للمؤسسين والمستثمرين وشركاء المنظومة مرجعًا عمليًا لقياس نضج الحوكمة، تعزيز القدرة على الصمود، وتجنب تكرار الأخطاء بعد فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *