تقييم أهداف المونديال بين الكمية والعدالة

الكم والكيف
يتساءل كثيرون عما لو ولد بيليه أو مارادونا في منتخب يصنف بعد المئة عالمياً؛ هل كانت موهبتهما لتنتج نفس السجل التهديفي الذي نعرفه؟ هناك رأي يرى أن الأرقام في كرة القدم لا تعكس دائمًا العدالة، نظراً لطبيعتها الجماعية، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة تسويقية تتجاهل السياق والقيمة الفنية والظروف التي ولّدت تلك الأرقام، خاصة التهديفية. في كأس العالم، عندما نضع الإحصائيات تحت عدسة “النسبية والفعالية الزمنية” تتغير خريطة الأساطير helt دون المساس بقيمتهم. ف cuando كسر ميروسلاف كلوزه رقم رونالدو البرازيلي في صدارة هدافي مونديال البرازيل 2014، يغفل من يحسب الأهداف أن كلوزه سجل 16 هدفاً في أربع نسخ و24 مباراة، بينما أحرز “الظاهرة” 15 هدفاً في ثلاث مشاركات و19 مباراة، أي أن معدل كلوزه التهديفي أعلى عندما يُقاس بعدد المباريات والدقائق. وإذا دفعنا النسبية إلى أقصى حد، نجد أن أرقام المجري ساندور كوتشيش (11 هدفاً في خمس مباريات بنسخة واحدة) والفرنسي جاست فونتين (13 هدفاً في ست مباريات بنسخة واحدة) هي الأكثر إعجازاً في تاريخ اللعبة، لأنها تحققت في دورة واحدة وبمعدل 2.20 و2.16 هدفاً في المباراة على التوالي، وهو ما لم يقترب منه أحد في العصر الحديث رغم زيادة عدد الفرق والمباريات.
الزهرة والجذور
الخلل الثاني في التقييم يكمن في تغليب الكم على الكيف وتجاهل جودة الخصوم وطريقة إحراز الهدف. لا يمكن للمنطق الفني أن يساوي بين هدف يُسجل في شباك منتخب يشارك لأول مرة ويفتقر للخبرة والنجوم، أو يعاني انهياراً دفاعياً، وهدف يُهتز شباك حارس عملاق في قمة توهجه في الأدوار الإقصائية أو النهائي. كما أن القيمة الإبداعية والبدنية للهدف الذي ينبع من جملة تكتيكية أو مهارة فردية مع تجاوز ثلاثة أو أربعة مدافعين تحت ضغط تفوق بمراحل هدفاً من ركلة جزاء أو ركلة حرة قريبة من المنطقة أو هدف من ارتداد الكرة. يجب ملاحظة هذا الفارق عند تحليل البطولات وإحصاء الأهداف للاعب الذي يحصل على نصف أهدافه من علامة الجزاء بينما يحرز آخر أغلب أهدافه من كرات ملعوبة.
البريق والمنصة
الضلع الثالث المهم في مثلث “عدالة التقييم” هو اعتبار الأهداف المسجلة في المونديال كقائمة متساوية القيمة تسطيحاً مجحفاً بحق كرة القدم ولاعبين يلعبون دور الجندي المجهول؛ يساهمون ويصنعون ويهيئون، ثم تخرجهم لغة الأرقام من حساباتها لصالح صاحب اللمسة الأخيرة داخل الشباك. لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الأهداف ليست مجرد أعداد تُجمع وتطرح؛ ينبغي مراعاة عدد المشاركات في الدورات وعدد المباريات، ومستوى الفرق المنافسة وطريقة التسجيل. كرة القدم جوهرها لعبة جماعية أوركسترالية، وليست رياضة فردية مثل التنس الذي يتركز الجهد والنتيجة في يد لاعب واحد. عزل الهداف عن المنظومة التي تغذيه وتخلق له الفرص يشبه شخصنة اللعبة وتحويلها إلى صراع تنافسي وتسويقي بين أفراد لا بين منظومات. الهدف في النهاية هو اللمسة الأخيرة لمنتج يصنعه الفريق بأكمله، أو الزهرة التي لا تتفتح من دون الجذور والسيقان والأوراق. في بيئة متجانسة مليئة بالنجوم، ترتفع احتمالية وصول الكرة إلى المهاجم في وضعية مثالية للتسجيل، وتصبح الفعالية نتاجاً طبيعياً لتكامل الخطوط. بالمقابل، عندما يلعب هدّاف ماهر مع منظومة مهلهلة أو ضعيفة، فإنه يضطر لاستنزاف طاقته البدنية والفنية في أدوار غير أدواره؛ يعود خلفاً لاستلام الكرة، ويحاول اختراق خطوط متكتلة بمفرده دون إسناد، ويسدد تحت ضغط رقابة دفاعية مركزة تسخر كل طاقتها لإيقافه. لذا فإن إنصاف المهاجمين يتطلب إدخال عامل جودة الزملاء والفريق المنافس في معايير التقييم والجوائز، وأخذ كم الفرص الحقيقية التي صنعها الفريق لهذا اللاعب بعين الاعتبار، وحجم المجهود الفردي الذي بذله لتسجيل الهدف.
مؤشر القيمة الفعلية
تجاهل هذا العامل يضفي طابعاً تجارياً يمنح البريق لمن يمتلك المنصة، ويظلم مواهب فضة في مساحة كروية متواضعة لم تجد فيها منظومة مساعدة تترجم عبقريتها إلى أرقام صالحة للتسويق. النظر إلى المعايير الأعمق في التقييم لا يعني إسقاط النجوم من سماواتها؛ اللاعبون الموهوبون والبارعون يلفتون الأنظار ويحظون بالتقدير بمعزل عن الأرقام المجردة من المعنى والجودة. وأيً يكن الأمر، فإن هذه التصورات والاقتراحات ليست ملزمة للمشجع الذي يملك الحرية في الانحياز لأي لاعب يروق له. بشكل عام، مشجعو النجوم والفرق لا يلتزمون بالمعايير العامة، ولا يحكمهم “دستور رياضي”؛ لهم أذواقهم وتفضيلاتهم الخاصة في الإعجاب، وإلا لكان صاحب أعلى الأرقام يجمع إجماع الملايين. قد يكون تعديل جوهري في آلية التقييم صعباً من الناحية التقنية، لكنه ليس مستحيلاً؛ لغة النسبية تنقل المعايير إلى أقرب نقطة ممكنة من العدالة، وليس مطلوباً منها تحقيق العدالة المطلقة. ولإعادة الاعتبار للمنطق الرياضي الصرف، بات من الضروري صياغة “مؤشر للقيمة الفعلية” يتجاوز الحسابات غير الرياضية. فهذه اللعبة الجميلة متنفس ومتعة للجميع، ولا ينبغي للجري مع رياح التسويق ومعايير الرعاية أن يجعل من “صناعة الأساطير” هدفاً يتقدم على العدالة الرياضية؛ إنها ليست بضاعة في سوق بيع العناوين الجذابة أو مزاداً لكسر الأرقام القياسية المجردة.



