الرئيسيةعربي و عالميلندن تتخطى توقعات الانهيار المالي بعد...
عربي و عالمي

لندن تتخطى توقعات الانهيار المالي بعد بريكست لكنها تخسر جزءاً من هيمنتها العالمية

21/06/2026 17:01

في مشهد يختصر مسار التحولات التي شهدها الحي المالي البريطاني خلال العقد الماضي، يخطط بنك جيه بي مورغان لإنشاء ناطحة سحاب جديدة في منطقة كناري وارف بلندن، تتسع لتوظيف ما يصل إلى 12 ألف موظف. وقد أشارت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، إلى أن هذا المشروع يُعَدّ “تصويتاً بالثقة بمليارات الجنيهات” في مستقبل المنطقة المالية.

تحذيرات سابقة وتوسعات حديثة

يعود هذا التوسع إلى تحذير أصدره الرئيس التنفيذي للبنك، جيمي ديمون، قبل استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، حيث تنبأ بإمكانية نقل 4 آلاف وظيفة إلى خارج البلاد. وقد تبع ذلك سلسلة من التحذيرات التي أطلقها عدد من القادة التنفيذيين في القطاع المالي آنذاك.

مؤشرات التوظيف والأرباح تتجاوز التوقعات

تشير أحدث بيانات التوظيف إلى أن عدد العاملين في الحي المالي يقترب من أعلى مستوياته التاريخية، حيث سجلت البنوك أرباحاً غير مسبوقة. وفقاً لمؤسسة مدينة لندن، يضم “المدينة” حالياً نحو 676 ألف موظف، أي ارتفاع يزيد عن 25٪ منذ عام 2019. ويعزى هذا الانتعاش إلى ما وصفه أصحاب الأعمال المحليون، مثل صاحب مطعم يطل على بنك إنجلترا، بنمو “أسرع وأقوى” مما كان متوقعاً بعد خروج بريطانيا.

تراجع الهيمنة رغم الزخم الظاهري

على الرغم من هذه الأرقام المشجعة، تكشف تقارير رويترز ومقابلات مع مسؤولين سابقين عن صورة أوضح لتراجع حصة لندن في المشهد المالي العالمي. يوضح مايكل ماينيللي، الذي شغل منصب عمدة لندن في عامي 2023 و2024، أن خروج بريكست أضعف مكانة الحي المالي، مشيراً إلى انتقال وظائف إلى عواصم مثل باريس ودبلن. لكنه يضيف أن أوروبا ككل فقدت أمام صعود الأسواق المالية الآسيوية، ما يجعل الخسارة ليست حصرية على المملكة المتحدة.

لتلبية احتياجات العملاء في دول الاتحاد الأوروبي الـ27، اضطرت الشركات البريطانية التي فقدت “اتفاقيات جوازات السفر المالية” إلى نقل نحو 40 ألف وظيفة إلى مراكز مالية أوروبية بديلة، وفق تقديرات مؤسسة مدينة لندن.

انخفاض الحصة السوقية مقارنةً بالولايات المتحدة

تظل بريطانيا في المرتبة الثانية كوجهة لاستثمارات رؤوس الأموال الأجنبية بعد الولايات المتحدة، حيث تستضيف أكثر من 12 تريليون جنيه إسترليني (ما يعادل 16 تريليون دولار) من الاستثمارات المباشرة، المحافظ، والودائع العابرة للحدود بنهاية عام 2025، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي التي استند إليها بنك باركليز. إلا أن حصتها من إجمالي رؤوس الأموال الأجنبية تراجعت من 8.6٪ في 2015 إلى 7٪ في 2025، بينما ارتفعت حصة الولايات المتحدة من نحو 20٪ إلى 25٪ خلال نفس الفترة، مدفوعة بطلب قوي على الأسهم الأمريكية.

وتظهر أبحاث شركة “نيو فاينانشال” أن بريطانيا فقدت حصتها في 10 من أصل 12 فئة من فئات التمويل الدولي منذ 2015، بما في ذلك تداول العملات الأجنبية، عروض الأسهم، والأصول المدارة. وقد وصف ويليام رايت، مؤسس الشركة، تأثير بريكست على القطاع المالي اللندني بأنه “كسر للذراع”؛ ضرر واضح لكنه ليس كارثياً، مع الإشارة إلى وجود “ضرر ذاتي”.

عوامل موازية تخفف من أثر البريكست

ساهمت عدة عوامل في الحد من التداعيات السلبية لبريكست، أبرزها ارتفاع أسعار الفائدة الذي ضاعف عوائد البنوك من الإقراض. إضافة إلى ذلك، سعت حكومة حزب العمال، التي تولت السلطة في 2024، إلى تحرير القطاع المالي من قيود ما بعد الأزمة المالية العالمية 2007-2008. وبفضل دعم وزيرة المالية ريفز، تجنبت البنوك فرض ضرائب جديدة وحصلت على تنازلات تنظيمية بخصوص متطلبات رأس المال. كما استفاد قطاع التأمين من تعديل القواعد الأوروبية للملاءة المالية عبر خفض التكاليف الإدارية وتخفيف قيود الاحتياطات الإلزامية، ما أدى إلى ارتفاع إجمالي الأقساط المكتتبة بحسب مجموعة سوق لندن لشركات التأمين.

استثمارات جديدة تعزز الثقة المتجددة

في ظل هذه المتغيرات، أعلن بنك جيه بي مورغان هذا الشهر عن توسيع مبادرة الأمن والمرونة التي تبلغ قيمتها 1.5 تريليون دولار لتشمل المملكة المتحدة، إلى جانب مشروع توسيع حرم جامعي في بورنموث بتكلفة تتراوح بين 300 و350 مليون جنيه إسترليني. وفي خطوة موازية، كشفت مجموعة سيتي غروب عن استثمار قدره 1.1 مليار جنيه إسترليني في عملياتها البريطانية، ما يعكس مستويات متجددة من الثقة المؤسسية بالرغم من التراجع الهيكلي الأوسع لمكانة لندن في النظام المالي العالمي.

يبقى ربط تأثير بريكست بسلسلة الأزمات العالمية المتلاحقة—من جائحة كوفيد-19 إلى الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، وصولاً إلى تعديل الاتفاقيات التجارية والأمنية تحت رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب—أمراً معقداً تحليلياً، ما يجعل التقييم النهائي لتكلفة بريكست على القطاع المالي البريطاني مسألة تتجاوز الأرقام الظاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *