عربي و عالمي

الكتاب أمام شاشة لا تنام: تحدي القراءة في العصر الرقمي

الكتاب أمام شاشة لا تنام: تحدي القراءة في العصر الرقمي

عندما يفتتح معرض للكتاب، لا يصبح السؤال الرئيسي كم كتاباً عُرض أو بيع، بل هل ما زال الكتاب قادراً على أن يصنع قارئاً عربياً؟

أزمة القارئ: من المدرسة إلى السوق

عرفتُ الكتاب أولاً كطالب، ثم كأستاذ ومؤلف، ورأيت أجيالاً تدخل قاعة الدرس وهي تحمل رواية أو ديوان شعر، ثم رأيت الهاتف يحتل اليد والعين والوقت. الهاتف ليس عدواً للمعرفة؛ ففي شاشته مكتبات لا تتسع لها البيوت، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول من نافذة على العالم إلى جدار يحجب التأمل، ويستبدل بالقراءة المتأنية مروراً سريعاً على الصور والعناوين.

من الظلم أن نحمّل الشاشة وحدها مسؤولية تراجع القراءة؛ فأزمة القارئ تبدأ من المدرسة حين يُعامل الكتاب كاختبار لا كممتع، وتتحول الأدب إلى أسئلة عن المعاني ومواطن الجمال بدل أن يُترك الطفل يضحك ويحزن ويتخيل ويعترض. كيف نطلب من شاب أن يحب القراءة إذا اقترنت منذ البداية بالحفظ والخوف من الدرجة؟

تبدأ الأزمة أيضاً من ارتفاع أسعار الكتب، وضعف التوزيع، وقلة المكتبات العامة الجذابة، ومن خطاب ثقافي يعامل القارئ كأنه متهم ينبغي تأديبه. القارئ لا يولد قارئاً؛ نحن نصنعه حين يجد في البيت كتاباً، وفي المدرسة معلماً متحمساً، وفي الحي مكتبة مضيئة.

معرض الكتاب كورشه مستمرة

لهذا لا ينبغي أن يكون أي معرض للكتاب سوقاً موسمية تُفتح أياماً، ثم تُطفأ أضواء أجنحتها وتُطوى لافتاتها، بل ورشة دائمة لصناعة القارئ. تبدأ بلقاء الطالب كاتباً كان يراه اسماً على الغلاف، وبنادٍ للقراءة، وكتاب ميسّر السعر لا يرهق الأسرة. وتمتد إلى حافلات الكتب، والمكتبات المدرسية الحيّة، والقراءات المسموعة، والمبادرات التي تضع الكتاب في يد العامل وصاحب الهمّة وساكن الحي البعيد.

ولا يكفي أن نحصي الزائرين وأكياس المشتريات، بل نسأل: كم زائراً خرج يحمل كتاباً سيبدّل فكرةً في عقله، أو يفتح نافذةً جديدة في روحه؟

الكتاب في زمن الشاشة: دمج وليس صراع

ولن ينتصر الكتاب على الهاتف بوضعهما في حلبة صراع، بل بأن يدخل الكتاب إلى الشاشة: نصّاً إلكترونياً أنيقاً، وكتاباً مسموعاً، ونقاشاً حيّاً، لكنه يجب أن يحتفظ بقدرته على إبطاء الزمن، والتوقف عند جملة تستحق التأمل.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *