عربي و عالمي

بعد ثمانية عقود من التعليم.. روضة "ننه خاتون" في إسطنبول تستعيد ذكريات الأجيال

بعد ثمانية عقود من التعليم.. روضة "ننه خاتون" في إسطنبول تستعيد ذكريات الأجيال

منذ العام الأول لتأسيس الجمهورية التركية، لا تزال مدرسة “ننه خاتون” في منطقة عمرانية بمدينة إسطنبول شاهداً على تاريخ التعليم في المدينة، إذ واصلت أداء رسالتها عبر أدوار وأسماء متعددة.

وُضع حجر الأساس للمبنى التاريخي للمدرسة في عام 1923 خلال مراسم حضرها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وافتُتحت للتعليم في 1924 تحت اسم “مدرسة أَشاغي دودولو الابتدائية”.

ولم يتوقف الدور التعليمي للمبنى بعد انتهاء مهمته كمدرسة ابتدائية، بل استمر في أداء رسالته عبر مراحل مختلفة، حيث استُخدم داراً للمعلمين، ثم تحول في 2013 إلى روضة أطفال تحمل اسم “ننه خاتون”.

محطات تحول في المبنى التاريخي

استقبلت المدرسة أطفال دودولو والمناطق المحيطة بها، وظلت لعقود إحدى المؤسسات التعليمية المهمة في المنطقة، قبل أن تؤدي الزيادة في أعداد التلاميذ وتنامي الاحتياجات التعليمية إلى إنشاء مبان جديدة داخل حرمها.

مع توسع المنطقة وارتفاع الطلب على التعليم، لم يعد المبنى القديم قادراً وحده على استيعاب الأعداد المتزايدة، فشُيّد في 1980 مبنى مدرسي جديد يضم 5 صفوف، ثم افتُتحت في 1995 مدرسة أكبر تضم 30 صفاً.

وبعد دخول المبنى الأحدث الخدمة، اقتصر استخدام المبنى التاريخي على تدريس الصفين الرابع والخامس، ليمضي نحو 7 عقود بوصفه مدرسة “أَشاغي دودولو الابتدائية”، قبل أن تنتقل الأنشطة التعليمية تدريجياً إلى المباني الجديدة.

في عام 2002، أنهى المبنى العريق دوره كمدرسة ابتدائية، وأُعيد ترميمه ليفتتح في أكتوبر من العام نفسه داراً لمعلمي عمرانية، ومدرسة للفنون في الفترة المسائية، واستضاف على مدى نحو عقد أنشطة اجتماعية ومهنية موجهة إلى المعلمين.

أواخر عام 2012، وبعد إغلاق دار المعلمين، وافقت ولاية إسطنبول على إعادة توظيف المبنى، ليفتح أبوابه مجدداً في العام الدراسي 2013-2014، ولكن هذه المرة كروضة أطفال تابعة لوزارة التربية تحمل اسم “ننه خاتون”.

روضة تعزز تنمية الطفولة المبكرة

في حديث للأناضول، قال مدير المدرسة أوكان قوناق إن تلاميذ الصفين الرابع والخامس واصلوا الدراسة في المبنى التاريخي حتى 2002، حين افتُتحت فيه دار المعلمين ومدرسة الفنون، قبل أن يتقرر في 2012 تحويله إلى روضة “ننه خاتون”.

تضم الروضة 5 صفوف و8 شعب، وتستقبل الأطفال بنظامي دوام كامل ونصفي، كما تحتوي على مطبخ تُحضّر فيه وجبات الإفطار والغداء والوجبات الخفيفة التي تقدم لهم خلال اليوم.

أشار قوناق إلى أن كادراً مكوناً من 8 معلمين، إلى جانب الإدارة، يشرف على تقديم أنشطة تعليمية شاملة تتجاوز المعارف الأساسية، وتهدف إلى مساعدة الأطفال على تنمية قدراتهم والتفاعل مع محيطهم بما يتناسب مع احتياجات مرحلتهم العمرية.

تشمل الأنشطة الدراما والفنون والأنشطة البصرية، إلى جانب برامج تهدف إلى تطوير المهارات الشخصية والاجتماعية والعاطفية ومهارات العناية الذاتية. وإلى جانب البرنامج الأساسي، توفر الروضة دروساً إضافية في مجالات مختلفة بحسب رغبات الأطفال وأولياء أمورهم، بينها الرقصات الشعبية واللغات الأجنبية والشطرنج.

ذكريات تعود مع زيارات التلاميذ السابقين

بحسب قوناق، لا تقتصر قيمة العمل في روضة “ننه خاتون” على أداء مهمة تعليمية داخل مؤسسة حكومية، بل ترتبط أيضاً بخصوصية المبنى التاريخي وما يحمله من ذكريات تمتد عبر أجيال متعاقبة. وقال إن العمل في مدرسة عريقة كهذه يمثل مصدر فخر واعتزاز، لأن المباني التي شهدت تعاقب الأجيال تحتفظ بحكايات وتجارب يمكن استشعارها من خلال الأشخاص الذين عاشوها.

من أكثر المواقف التي تترك أثراً في العاملين، بحسب مدير المدرسة، زيارات أشخاص مسنين يعودون إلى المكان بعد مرور عقود على دراستهم فيه. أوضح أن بعض الزوار، ممن تتجاوز أعمارهم 80 عاماً، يأتون إلى المدرسة لرؤية المكان الذي قضوا فيه سنوات طفولتهم.

قال إن العاملين يستقبلون هؤلاء الزوار ويصطحبونهم في جولة داخل المبنى، حيث يستعيدون تفاصيل من حياتهم المدرسية، ويشيرون إلى الصفوف التي درسوا فيها والمقاعد التي جلسوا عليها. تمنح هذه الزيارات، بحسب قوناق، المبنى التاريخي صلة مباشرة بماضيه، إذ تتحول ذكريات الدراسة إلى حكايات يرويها أصحابها في المكان الذي شهدها.

لا تقتصر هذه الصلة على التلاميذ السابقين، بل تنتقل أيضاً إلى الأجيال الجديدة من خلال العائلات التي تختار تسجيل أطفالها في الروضة. استذكر قوناق زيارة أحد الآباء الذي جاء لتسجيل طفله، وقال له إن جده درس في المدرسة، ثم والده، ثم هو نفسه، وإنه يريد أن يدرس طفله فيها أيضاً. أضاف أن مثل هذه المواقف تكشف عن رابطة عاطفية تنشأ بين العائلات والمدرسة، وتتجاوز العلاقة التعليمية المباشرة.

واختتم حديثه قائلاً إن العاملين الذين أمضوا سنوات في المؤسسة التعليمية يشعرون بدورهم بهذه الصلة ويعيشونها خلال تعاملهم اليومي مع الأطفال وأسرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *