دبي تُعيد تشكيل مشهد المستثمرين عبر التكنولوجيا المالية

تشير أحدث الإحصاءات إلى أن نحو 71٪ من جيل “زد” يعتبرون الاستثمار أولوية في حياتهم، في ظل نمو المنصات الرقمية بأكثر من 70٪ سنويًا. هذه المعطيات تؤكد أن دبي قد تحولت إلى بيئة عالمية متقدمة تُنَمّي جيلًا جديدًا من المستثمرين الرقميين.
تأثير التكنولوجيا على سلوك المستثمرين
جمع “البيان” مجموعة من خبراء الاستثمار والأعمال لمناقشة الظاهرة، وأوضح طارق شبيب، الرئيس التنفيذي لشركة كابيتال دوت كوم للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن التكنولوجيا غيرت جذريًا طبيعة رواد الأسواق المالية في دبي وسهّلت وصولهم إليها. وأوضح أن المنصات الرقمية أزالت الحواجز التقليدية مثل الحد الأدنى للإيداع والاعتماد على الوسطاء والإجراءات المعقدة لفتح الحسابات، مما جعل الدخول إلى الأسواق المالية متاحًا لجيل يمتلك معرفة تقنية وقدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية.
حصة السوق وتداولات كابيتال دوت كوم
تشير الأرقام إلى أن نحو 75٪ من مستخدمي المنصة في الإمارات يعتمدون على الهواتف المحمولة فقط، بينما يشكل الفئة العمرية من 18 إلى 44 عامًا أكثر من 86٪ من المتداولين. خلال الربع الأول من عام 2026، أتمتت صفقات عالمية بقيمة 1.27 تريليون دولار عبر كابيتال دوت كوم، ما حافظ على موقع الإمارات ضمن أكبر ثلاث أسواق للشركة إلى جانب ألمانيا والمملكة المتحدة. وبحسب الحصة السوقية المقدرة بنحو 25٪، يُقدر حجم سوق عقود الفروقات السنوي في الإمارات بحوالي 2.5 تريليون دولار، ما يعكس الزخم القوي لاستخدام المنصات الرقمية في المنطقة.
التحولات السلوكية ومؤشرات التعليم
تظهر البيانات أن 71٪ من صفقات التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُنفّذ خلال اليوم نفسه، مقارنة بـ41٪ في أوروبا. هذا يشير إلى تحول نحو استراتيجيات استثمارية أطول أجلاً وأكثر وعياً، مدعومة بأدوات تحليلية وتعليمية متوفرة على المنصة. كما أن 64٪ من المتداولين في المنطقة يحملون شهادات جامعية، مقابل 39٪ في أوروبا. ومن الجدير بالذكر أن 45٪ من المتداولين يبدأون بالحسابات التجريبية قبل استثمار أموال حقيقية، ما يمنحهم قاعدة معرفية تساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة.
الذكاء الاصطناعي وتطور المنصات المالية
لم يعد المستثمرون يقضون ساعات في تحليل تقارير هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية؛ بل يعتمد الجيل الجديد على نماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المؤشرات وفهمها. وقد ساهمت هذه التقنية في تقليص فترة التعلم التي كانت تستغرق سنوات إلى مجرد نقرات قليلة. يظهر هذا التوجه بوضوح في دبي من خلال توسيع تراخيص التكنولوجيا المالية داخل مراكز الابتكار مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، بالإضافة إلى مركز الابتكار التابع لمركز دبي المالي العالمي الذي يجذب شركات الذكاء الاصطناعي في مراحل النمو والابتكار.
رغم الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية، ما زال المستثمرون بحاجة إلى مختصين لاتخاذ القرارات الجوهرية، وقد ساهمت سهولة الوصول إلى الأسواق في تضخيم بعض السلوكيات المضاربية، ما يتطلب وعيًا أكبر من قبل المتداولين.
تشير الاستطلاعات إلى أن 85٪ من المستثمرين الأفراد في الإمارات يمتلكون أسهمًا محلية، وهو ما يتماشى مع التركيبة السكانية للشباب الوافدين ذوي القدرات الرقمية المتقدمة، في ظل نقص خدمات إدارة الثروات التقليدية التي لا تلبي احتياجاتهم.
عوامل أخرى مثل الطروحات العامة الأولية لشركات “سالك” و”تاكسي دبي”، إلى جانب سياسات حكومية تخفّف القيود على المستثمرين الأفراد ومكانة دبي كمركز مالي عالمي، ساهمت في تعزيز مشاركة المستثمرين الجدد.
المستثمرون الشباب يميلون إلى المخاطرة لتحقيق أرباح قصيرة ومتوسطة الأجل، بينما يبني آخرون محافظ استثمارية طويلة الأجل تشمل عقود الفروقات، الاكتتابات العامة، والاستثمارات الكبيرة. يستخدمون منصات مثل إكس، سابستاك، وديسكورد للحصول على المعلومات، ما ينعكس في وجود شاب في دبي يبلغ من العمر 28 عامًا يمتلك حساب تداول نشطًا وصندوقًا يتتبع مؤشر ستاندرد آند بورز 500.
على صعيد الفئات العمرية الأكبر، يفضّل المستثمرون الذين تتراوح أعمارهم بين 55 عامًا وما فوق الاعتماد على المستشارين الماليين أو البنوك الخاصة، ويُقسمون محافظهم إلى مكونات أساسية طويلة الأجل تشمل الأسهم العالمية، السندات، الأسهم الإماراتية الموزعة للأرباح، بالإضافة إلى استثمارات عقارية وذهب، مع تخصيص نسبة محدودة للمضاربات المدروسة.
منصات مثل إنتراكتيف بروكرز، إي تورو، باراكا، ثروة، ساكسو، وكابيتال دوت كوم شهدت نموًا ملحوظًا في قاعدة مستخدميها، خصوصًا بين المستثمرين الشباب الباحثين عن وصول أسهل إلى الأسواق العالمية. وقد ارتفعت أحجام التداول في النصف الأول من العام إلى 1.5 تريليون دولار، بزيادة 42.5٪ مقارنةً بالنصف الثاني من عام 2024. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغت أحجام التداول 804.1 مليار دولار، مع سيطرة الإمارات على 71.7٪ من إجمالي التداولات على المنصة.
تحولت عملية تنفيذ الأوامر من الاعتماد على الوسطاء إلى التنفيذ المباشر عبر الهواتف الذكية. العملات المشفرة هي المستفيد الأكبر من هذا التحول الرقمي، يليه الذهب الذي ارتفعت تكلفته الإنتاجية إلى ما بين 10٪ و15٪، ما يجعل سعر الأوقية يرتفع لتغطية تكاليف التصنيع.
تقدم المنصات الرقمية اليوم بيانات فورية، تحليلات مبسطة، وواجهات متعددة اللغات، ما يزيل حواجز المعلومات، التكلفة، والتعقيد. وفقًا للبيانات، 86٪ من المتداولين في المنطقة تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عامًا، مع سيطرة جيل الألفية على 55٪ من المستخدمين النشطين. في الإمارات، 71٪ من جيل Z يعتبرون الاستثمار أولوية حيوية، مقارنةً بـ37٪ قبل عقد من الزمن.
على الرغم من أن بعض المستثمرين ينشدون الربح السريع، إلا أن العديدة منهم ينتقلون تدريجيًا إلى التفكير الاستراتيجي بعد تجربة السوق. يُظهر التحول السلوكي أن المستثمرين الشباب يفضلون الأدوات الرقمية مثل إكس، سابستاك، وديسكورد، بينما يظل المستثمرون الأكبر سناً يميلون إلى القنوات التقليدية.
تُعَدّ دبي مثالًا على مدينة استفادت من أطر تنظيمية جاذبة للاستثمار في التكنولوجيا المالية، ما أسفر عن بنية تحتية رقمية متقدمة ومنتجات مالية مبتكرة. يُظهر الاتجاه الحالي أن الأسهم الأمريكية وأسواق التكنولوجيا الكبرى تجذب المستثمرين دون الثلاثين، بينما يحتفظ 56٪ من المستثمرين بأصول رقمية في محافظهم. يظل الذهب ملاذًا آمنًا، وتزداد الاهتمامات بالأسهم الإماراتية مع نضوج السوق.
الأجيال الشابة التي نشأت على الهواتف الذكية وتطبيقات الدفع الرقمي تتوقع أن تكون عمليات الاستثمار سهلة، شفافة، وفورية. يشهد السوق اليوم تراجعًا في نهج “الشراء والاحتفاظ” التقليدي، مع تفضيل المستثمرين للمرونة والقدرة على الاستفادة من الفرص القصيرة الأجل. يُعزى هذا التحول إلى الاقتصاد الرقمي المتسارع في دبي، الذي رسّخ المدينة كمركز للتمويل الرقمي، الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الأصول المشفرة.
من المتوقع أن تساهم الزيادة في عدد الطروحات العامة الأولية، تحسين سهولة الوصول إلى الأسواق، وتعزيز الوعي بالفرص المحلية في رفع مساهمة المستثمرين الأفراد في أحجام التداول داخل الإمارات خلال السنوات القادمة. في هذا السياق، يواصل “كوانتل إيه آي” تطوير حلول تستند إلى تعلم الآلة، الاستثمار الجزئي، التنفيذ الخوارزمي، ووكلاء الذكاء الاصطناعي لدعم استراتيجيات التداول القصيرة الأجل عبر فئات الأصول المتنوعة.



