الرئيسيةكتاب و آراءالصداقة والعداء: تأمل في آية تحذر...
كتاب و آراء

الصداقة والعداء: تأمل في آية تحذر من الفتن بين الناس

توقفت أمام مشهد لا يتوافق مع فطرة الحياة ولا مع أخلاق البشر، بل هو مشهد أعدّه الله ليوم عظيم حينما تختل الموازين وتبلغ النفوس من الهول ما لا تبلغه في غيره.

كيف يُصنع العداء في الدنيا

ليس لأن الأخلاء تحولوا إلى أعداء؛ فهذا أمر أخروي يفرضه هول الحساب حتى يتبرأ أهل الباطل من بعضهم ويلقي بعضهم تبعة ضلاله على بعض. بينما من قامت صداقتهم على التقوى تبقى ثابتة لأنها لم تُبن على مصلحة عابرة ولا على هوى زائل.

السؤال الذي وقفني هو كيف ينجح بعض الناس في صناعة هذا المشهد في الحياة الدنيا؟ كيف يستطيع إنسان أن يتسلل بين متحابين أو بين زميلين أو بين أخوين فيُغير نظر كل واحد إلى الآخر دون أن يمد يداً، أو يرفع صوتاً، أو يواجه أحداً؟ إنه لا يصنع عدواً لنفسه بل يصنع أعداء لغيره.

دور التقوى كحصن ضد الفتنة

هذه من أخطر صور الإفساد لأن الخصومة لا تنشأ من الحقيقة بل من صورة للحقيقة أعاد أحدهم رسمها في عقول الآخرين حتى يصبح الشك يقيناً والظن حكماً والوهم واقعاً. والأعجب أن من يقع ضحية هذا الصنع قد يكون بريئاً وثابتاً على الحق، لم يتغير فيه شيء غير أن العيون التي تنظر إليه تغيرت.

لهذا كان الاستثناء في الآية بديعاً: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فالقاية لا تحفظ علاقة العبد بربه فقط بل تحرسه أيضاً من أن يكون أداة في تمزيق علاقات الناس أو تابعاً لمن يتقن هذا الفن.

خلاصة: بناء الحب وهدمه

إن بناء المحبة يحتاج إلى زمن، بينما هدمها قد يحتاج إلى شخص واحد. لذلك فإن أخطر الناس ليس من يختلف معك لأن الاختلاف سنة الحياة، بل من يجعلك تختلف مع من لم يكن بينك وبينه إلا المودة. هنا يبدأ الخراب: لا يوم يختلف الناس بل يوم ينجح أحدهم في أن يجعلهم يختلفون دون سبب. ذلك مشهد جعله الله استثناءً ليوم القيامة، فلا تصنعه في الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *