تقنيات الذكاء الاصطناعي تعجّل عمليات انتقاء الممرضين في الإمارات

أفاد مختصون في مجال الرعاية الصحية بأن توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تلك المعتمدة على الوكلاء الذكيين، يُسهم في تسريع وتيرة استقطاب الكوادر التمريضية، وتقليص المدد الزمنية المطلوبة لإتمام عمليات التوظيف.
مشروع «ميثا» الرائد
وكانت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية قد أطلقت مؤخراً مبادرة مبتكرة حملت اسم «ميثا»، حيث تعمل كعامل تفاعلي قائم على الذكاء الاصطناعي بهدف جذب الكفاءات التمريضية من مختلف أنحاء العالم. تتيح هذه المنصة للمؤسسات الطبية إجراء تقييم شامل للمرشحين، لضمان توافقهم مع الاحتياجات المحددة لكل جهة صحية.
تستطيع منصة «ميثا» تحديد المهارات المطلوبة بدقة، من خلال إجراء مقابلات افتراضية مع الممرضين والممرضات المرشحين، وتقييم قدراتهم المهنية وفقاً لمتطلبات العمل في تخصصات متنوعة كالعناية المركزة أو الطوارئ. يختار النظام الأسئلة المناسبة لكل تخصص، ثم يحلل الإجابات لقياس مدى جاهزية المرشح للعمل في المجال المطلوب.
كما تتيح المنصة للمؤسسات الصحية تخصيص استخدامها بما يتوافق مع أهدافها الاستراتيجية، ويشمل ذلك التخطيط المستقبلي للموارد البشرية، وحصر المواهب المتاحة داخل المؤسسة، وتقييم المسارات الوظيفية المحتملة للكوادر خلال السنوات القادمة. وأشارت الجهات المعنية إلى أن «ميثا» توفر تحليلات متقدمة حول شخصية المرشحين بناءً على إجاباتهم، مع الاحتفاظ بجميع البيانات داخل المنصة لدعم عمليات اتخاذ القرار.
دور الذكاء الاصطناعي في تسريع التوظيف
أوضح الخبراء أن الذكاء الاصطناعي يمكنه اختصار العديد من الإجراءات الإدارية المتعلقة بفرز المرشحين والتحقق من مؤهلاتهم ومراجعة وثائقهم، لكنهم شددوا على ضرورة أن يظل أداة داعمة للقرار المهني البشري، وليس بديلاً عنه، خاصة عند تقييم الكفاءة السريرية ومهارات التواصل والتعاطف والقدرة على التعامل مع المرضى في سيناريوهات واقعية.
وقال الدكتور كيشان باكال، الرئيس التنفيذي للمستشفى الدولي الحديث، إن التمريض يشكل الركيزة الأساسية لمنظومة الرعاية الصحية، وأي تأخير في استقطاب الممرضين يؤدي إلى ضغط مباشر على الفرق العاملة. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكنه دعم كفاءة التوظيف عبر أتمتة المهام الإدارية مثل فرز الطلبات والتحقق من المؤهلات ومطابقة المرشحين مع الوظائف المناسبة، مما يتيح لفرق الموارد البشرية التركيز على جذب الكفاءات بسرعة أكبر.
وأكد باكال أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل المؤهلات الأكاديمية والشهادات المهنية والتراخيص والخبرات العملية بشكل سريع وموضوعي، حتى مع اختلاف الأنظمة التعليمية بين الدول. لكنه لفت إلى أن مهنة التمريض تظل إنسانية ولا يمكن للخوارزميات وحدها تقييم جميع جوانبها، خاصة الحكم السريري والتفكير النقدي والقدرة على التكيف والكفاءة العملية.
وشدد على ضرورة أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة مساندة في التقييم، لا بديلاً عن المقابلات الشخصية والاختبارات العملية والتحقق من المراجع المهنية. وأكد أهمية الحوكمة الصارمة عند استعماله في التوظيف الصحي، بحيث يقتصر دوره على الفرز الأولي، فيما تبقى القرارات النهائية بيد المختصين في الموارد البشرية والقيادات الطبية.
تخفيف الضغط على الفرق التمريضية
من جهتها، قالت سانيثا رون، رئيسة الموارد البشرية، إن التأخير في تعيين الكوادر التمريضية يزيد الضغط على الفرق الحالية ويرفع مستويات التوتر والإرهاق بين الممرضين. وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يمكن أن يسهم في تسريع عمليات التوظيف، مما يساعد على الحد من نقص العاملين وتخفيف ضغط العمل على فرق الرعاية الصحية، لافتة إلى أن تسريع التوظيف قد ينعكس إيجاباً على توزيع المناوبات وتقليل ساعات العمل الإضافية.
وفي ما يتعلق بتقييم مؤهلات الممرضين القادمين من دول وخلفيات تعليمية مختلفة، أشارت إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة يمكنها مراجعة التراخيص المهنية والشهادات والسجل الوظيفي والمؤهلات التعليمية الصادرة من دول متعددة بسرعة وكفاءة، كما يمكنها تعزيز موضوعية عمليات التوظيف عبر تحديد المرشحين الذين يستوفون المعايير المطلوبة بصورة أكثر اتساقاً. لكنها أكدت أن تقييم الكفاءة السريرية الفعلية والخبرة العملية يظل عملية معقدة تتطلب تدخلاً بشرياً ومقابلات شخصية وتقييمات ميدانية ومباشرة.
تحديات التوظيف والحلول الهيكلية
من ناحيته، قال أفيناف نيغام، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «تيرن»، إن فترات التوظيف الدولية التي قد تستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر تنقل العبء مباشرة إلى الكوادر التمريضية الموجودة داخل النظام الصحي. وأضاف أن دولة الإمارات، وفقاً لتقرير لشركة «كوليرز» العالمية للاستشارات العقارية والاستثمارية، تحتاج إلى أكثر من 33 ألف كادر صحي إضافي بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن تلبية هذا الطلب لا يمكن أن تتم عبر أنظمة توظيف تقليدية.
وأوضح نيغام أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يعالج جانباً أساسياً من المشكلة عبر تقليص العبء الإداري وتسريع عمليات الفرز والتحقق وإدارة الوثائق، مما يتيح للفرق الطبية التركيز على الجانب الإنساني والقرارات السريرية التي تتطلب الخبرة والحكم المهني. لكنه أشار إلى أن تسريع التوظيف باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده لمعالجة بيئات العمل غير الآمنة أو ضعف القيادة الإدارية أو أنماط المناوبات غير المستدامة.
وأكد أن الحل الحقيقي يتطلب الجمع بين التكنولوجيا والإصلاح الهيكلي، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يمنح الإصلاحات التقليدية قدرة أكبر على التوسع والسرعة، لكنه ليس حلاً كافياً بمفرده. وفي ما يخص تقييم المؤهلات الدولية، قال إن الذكاء الاصطناعي يمكنه التحقق من صحة المؤهلات ومطابقة الأنظمة واللوائح التنظيمية بين الدول المختلفة، وتحديد الفجوات بين تدريب المرشح ومتطلبات الوظيفة المستهدفة.
وأضاف أن هذه الأنظمة توفر سجلاً رقمياً قابلاً للتدقيق لجميع مراحل التقييم، مما يعزز الكفاءة التشغيلية والامتثال التنظيمي، لكنه شدد على ضرورة دمج الضوابط الأخلاقية ومعايير الجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ مرحلة التصميم، وليس الاكتفاء بمراجعة بشرية في المرحلة الأخيرة.
وأشار إلى أن الإمارات تمتلك مقومات متقدمة لتوظيف هذه التقنيات في معالجة نقص الكوادر الصحية من دون المساس بمعايير الجودة، لافتاً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية للتمريض والقبالة 2026» تعكس توجهاً واضحاً نحو بناء كوادر صحية مستدامة ومؤهلة للمستقبل، قادرة على تقديم خدمات صحية بمعايير أعلى.
من جانبها، قالت أحلام سرحان، مدير العمليات السريرية في مستشفى الشيخ سلطان بن زايد، إن تأخر توظيف الكوادر التمريضية ينعكس مباشرة على زيادة عبء العمل داخل المنشآت الصحية وارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي. وأكدت أن الحاجة باتت ملحة إلى آليات توظيف أكثر كفاءة للحفاظ على جودة الرعاية وسلامة المرضى، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه اختصار الوقت اللازم لفرز المرشحين وتسريع إجراءات التعيين.
وأوضحت أن مواجهة هذا التحدي تتطلب أيضاً تخطيطاً فعالاً للقوى العاملة وبرامج للاحتفاظ بالكفاءات إلى جانب التطوير المهني المستمر، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساندة مهمة ضمن منظومة أوسع لإدارة الموارد البشرية في القطاع الصحي.



